امرؤ القيس

امرؤ القيس

الملك الضلّيل

حياته

اسمه ونسبه

امرؤ القيس بن حُجُر بن الحارث بن عمر بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية الكندي. اختلف الرواة في ساق نسبه؛ فزعم الأصمعي وابن حبيب نسبته السابقة، وزاد بعضهم فيها “يعرب” و”كندة”، في حين ساق ابن الأعرابي نسبه وصولاً إلى كهلان بن سبأ. ويُكنى امرؤ القيس “أبا وهب”، وكان يقال له “الملك الضليل” و”ذو القروح”. وجدّه هو الحارث الملقب بـ “آكل المرار”؛ وسبب اللقب أن امرأة الحارث سُبيت في غيبته فذكرت أن مشافره كأنها مشافر بعير آكل المرار (وهو شجر يقلص المشافر)، فتبعه الحارث وقتل سابيها واستنقذها. مات امرؤ القيس سنة 80 قبل الهجرة و565 للميلاد.

طبقته في الشعراء

هو فحل من فحول الجاهلية، ورأس الطبقة الأولى من الشعراء. قدمه علماء البصرة والفرزدق ولبيد، وسبق العرب إلى أشياء ابتدعها واتبعه فيها الشعراء؛ مثل استيقاف صحبه، البكاء في الديار، رقة النسيب، تشبيه النساء بالظباء والبيض، وتتشبيه الخيل بالعقبان والعصي وقيد الأوابد. ووصفه النبي ﷺ بأنه: “ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها منسي في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة ومعه لواء الشعراء إلى النار”، وقال في رواية أخرى إنه “قائد الشعراء إلى النار”، ولم يعقب امرؤ القيس ولدًا ذكرًا بل إناثًا.

هاجسه ورقيه من الجن

يزعم الرواة أن هاجس امرئ القيس (ما يلقيه الجن على لسانه) هو جني يُدعى “لافظ بن لاحظ”. وتُروى قصة عن رجل من أهل الشام التقى شيخًا من الجن في وادٍ فأنشده الشيخ شعر امرئ القيس “قفا نبك…”، ولما عاتبه الرجل وذكر أن الشعر لامرئ القيس، أخبره الشيخ أنه “لافظ بن لاحظ” وأنه هو من منح امرأ القيس هذا الشعر.

حال امرئ القيس وأوليته

لما نشأ امرؤ القيس طرده أبوه حجر واختلف في سبب ذلك؛ قيل لأنه علق النساء وأكثر الذكر لهن والميل إليهن والشعر وهو ما كان الأب يرغب به عنه. حاول أبوه إشغاله برعي الإبل ثم الخيل ثم الضأن، فكان امرؤ القيس يطردها ويرتجز بالشعر ولا يشغله الرعي، فخرجه أبوه مراغمًا، فصار يسير في العرب يطلب الصيد والغزل. وقيل إن سبب الطرد تعشقه لامرأة أبيه هرا.

خبره بعد مقتل أبيه وطالبه بالثأر

عندما قتل بنو أسد حجرًا (والد امرئ القيس)، أوصى الأب بكتبه وسلاحه لابنه الذي لا يجزع من أولاده. فمر الرسول عليهم واحدًا واحدًا فبشروا بالتراب على رؤوسهم، حتى وصل إلى امرئ القيس وهو يشرب الخمر ويلاعب نديمًا له بالنرد، فلما أُخبر بمقتل أبيه لم يلتفت وأكمل اللعب حتى لا يفسد على نديمه دسته. ثم قال: “ضيعني صغيرًا، وحمَّلَنِي ثأره كبيرًا. لأصحو اليوم، ولأسكر غدًا اليوم خمر وغدًا أمر”، وحرم على نفسه الخمر والنساء حتى يقتل من بني أسد مائة ويجز نواصي مائة.

استعد امرؤ القيس لبني أسد، وحين أوفدوا إليه رجالاً ليعرضوا عليه الدية أو الفداء رفض وطلب دم أبيه. استنصر بكرًا وتغلب فنصراه، وأوقع ببني كنانة بالخطأ وهو يحسبهم بني أسد، ثم اتبع بني أسد وقاتلهم قتالاً شديدًا حتى حجز بينهم الليل فنهبت بنو أسد. ولما امتنعت بكر وتغلب عن مواصلة السير معه، استنصر بمرثد الخير من أقيال حمير فأمده بخمسمائة رجل، وظفر ببني أسد بعد أن كسر قداح صنم “ذي الخلصة” عندما خرج له قدح “الناهي” ثلاث مرات فكسرها وضرب بها وجه الصنم.

مطاردة المنذر له وخبر موته

حاربه المنذر (ملك الحيرة) وألب العرب عليه وأمده أنوشروان بجيش، فانفضت جموع امرئ القيس ولجأ إلى الحارث بن شهاب اليربوعي ومعه أدرعه الخمسة المتوارثة مملكًا عن ملك. ولما هدده المنذر، سلم الحارث بني آكل المرار، ونجا امرؤ القيس بأدرعه وماله ولجأ إلى السموأل بن عادياء، فأكرمه السموأل وترك امرؤ القيس عنده ابنته هند وأدرعه.

كتب له السموأل إلى الحارث الغساني ليوصله إلى قيصر الروم. وفد امرؤ القيس على قيصر فأكرمه وأمده بجيش كثيف. وكان رجل من بني أسد يُدعى “الطماح” واجدًا على امرئ القيس لأن الأخير قتل أخاه، فاندس إلى قيصر وزعم له أن امرأ القيس عاهر وأنه يذكر ابنة قيصر في شعره ويفضحها في العرب. فبعث إليه قيصر بحلة منسوجة بالذهب مودعة سمًا قاتلاً وطلب منه لبسها. فلما لبسها امرؤ القيس أسرع فيه السم وسقط جلده فسمي “ذا القروح”. ولما وصل إلى بلدة “أنقرة” الرومية احتضر بها ومات ودُفن هناك في سفح جبل إلى جانب قبر امرأة غريبة.

شيء من سيرته وأخباره

آلى امرؤ القيس أن لا يتزوج امرأة حتى تسأله عن “ثمانية وأربعة واثنتين”، فلم تجبه النساء حتى مر برجل يحمل ابنة صغيرة فأجابته: الثمانية أطباء الكلبة، والأربعة أخلاف الناقة، والاثنتان ثديا المرأة، فتزوجها وساق مهرها. وكان امرؤ القيس مفركًا لا تحبه النساء؛ فتزوج امرأة من طيئ وأبغضته، ولما سألها أخبرته أنها كرهت منه أنه “خفيف العزلة، ثقيل الصدر، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة”. وتحاكم امرؤ القيس وعلقمة الفحل التميمي إليها في الشعر، فأنشد كل منهما قصيدة، ففضلت علقمة عليه لأنه لم يزجر فرسه ولم يضربه بالسوط كفعل امرئ القيس، فغضب امرؤ القيس وطلقها فتزوجها علقمة. وكان امرؤ القيس ينازع من يدعي الشعر؛ فنازع الحارث بن التوءم اليشكري بإجازة أنصاف الأبيات في الرجز، كما لقي عبيد بن الأبرص الأسدي وناظره بالأوابد (الألغاز) فأجابه امرؤ القيس عنها كلها.