معلقة امرئ القيس

للشاعر: امرؤ القيس

الطويل 81 بيتاً
نمط القراءة:
1
قِفا نبك من ذِكرى حبيبٍ ومنزلِ بسِقطِ اللّوى بينَ الدَّخول فَحَوْمَلِ
يخاطب الشاعر صاحبيه (أو يكرر الأمر كأنما يقول: قف قف) باكيًا على ذكرى محبوبته ومنزلهما المفقود بمنقطع الرمل المعوج الواقع بين موضعي الدخول وحومل.
2
فتُوضِحَ فالْمِقراةِ لم يَعْفُ رَسْمُها لما نَسَجَتْها من جنوبٍ وشَمْأَلِ
يذكر موضعين آخرين (توضيح والمقراة) مؤكدًا أن آثار الدار لم تُمحَ تمامًا؛ لأن الرياح (الجنوب والشمال) تتعاقب عليها، فإذا غطتها إحداهما بالتراب كشفتها الأخرى.
3
ترى بَعَرَ الأَرْآمِ في عَرَصاتِها وقيعانها كأنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ
يصف خلو الديار من أهلها، حيث أصبحت مسكنًا للظباء البيض (الأرآم)، التي ملأت ساحات الدار المستوية ببعرها المستدير كأنه حب الفلفل.
4
كأني غَداةَ البَينِ يَوْمَ تَحَمَّلوا لدى سَمُراتِ الحيّ ناقِفُ حَنظلِ
يشبه حاله صباح الفراق برجل جالس عند شجر الطلح يشق الحنظل بظفره، كناية عن شدة حيرته ودموعه التي تذرف من حرارة الوجع كدموع جاني الحنظل.
5
وُقوفًا بها صَحْبِي عَلَيّ مَطِيَّهُمْ يقولونَ لا تهلِكْ أسىً وتجَمَّلِ
يصف وقوف أصحابه حوله برواحلهم وهو في حالة حزن شديد، يواسونه ويدعونه إلى الصبر والتجمل وألا يهلك نفسه بفرط الجزع.
6
وإنَّ شِفائي عَبْرَةٌ مُهَراقَةٌ فهلْ عندَ رَسمٍ دارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
يرى الشاعر أن عزاءه الوحيد وبرأه مما يجد هو في صب الدموع، متسائلًا بإنكار: هل يفيد البكاء والاستناد إلى بقايا ديار قديمة ممحوة؟.
7
كدأبكَ من أمِّ الْحُوَيْرِثِ قبْلها وجَارَتِها أم الرَّبابِ بِمَأسَلِ
يذكر نفسه بأن ولوعه وشوقه لهذه المحبوبة كعادته القديمة مع عشيقتيه السابقتين (أم الحويرث وأم الرباب) في موضع مأسل، حيث لم ينل منهما إلا الوجد.
8
إذا قامَتا تَضَوّعَ الْمِسْكُ مِنْهُمَا نسيمَ الصَّبا جاءت برَيّا القَرَنْفُلِ
يصف طيب ريح السابقتين، بأنهما إذا قامتا انتشرت رائحة المسك منهما كما ينشر نسيم ريح الصبا العليلة رائحة زهر القرنفل.
9
ففاضَتْ دُموعُ العَينِ مِنّي صَبَابَةً عَلَى النَّحرِ حتّى بلّ دمعيَ مِحْمَلي
لفرط الشوق والوجد وذكرى الأيام الخوالي، سالت دموع الشاعر بغزارة على صدره حتى بلّت حمالة سيفه المعلق عليه.
10
ألا رُبّ يَومٍ لكَ مِنْهُنّ صَالِحٍ ولا سيَّمَا يومٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ
يستذكر أيامه الجميلة الناعمة مع النساء، ويخص بالذكر يوم "دارة جلجل" (وهو غدير ماء) باعتباره أفضل وأمتع الأيام التي مرت به.
11
وَيَوْمَ عَقَرْتُ للعَذارى مَطيّتِي فيا عجبًا من كورِها الْمُتَحَمَّلِ
يذكر يوم دارة جلجل حين نحر ناقته للعذارى ليأكلن، ويتعجب بزهو من مشهد اقتسامهن وحملهن لأدوات رحل الناقة ومتاعها بعد عقرها.
12
فظلَّ العذارى يرْتَمينَ بلحمها وشحمٍ كَهُدَّابِ الدَّمَقس الْمُفَتَّلِ
يصف نهار ذلك اليوم، حيث جعلت الفتيات يتناقلن ويلقين لحم المطية وشحمها السمين لشيه واستطابته، وشبه الشحم بالحرير الأبيض المفتل.
13
ويومَ دخلتُ الْخِدرَ خدرَ عُنَيزَةٍ فقالتْ لكَ الوَيلاتُ إنَّك مُرْجِلي
ينتقل لقصته مع ابنة عمه "عنيزة" (فاطمة)، ويوم أن تسلل إلى هودجها فصاحت به جزعة عاتبة: ويلك ستجعلني أمشي راجلة بسبب ثقلك على البعير.
14
تقولُ وقد مال الغَبيطُ بنا معًا عَقَرْتَ بَعِيري يا امرَأَ القَيس فانزِلِ
مع حركة الهودج (الغبيط) وميله بهما معًا، كانت تصرخ فيه مستعطفة: لقد آذيت ظهر بعيري وتسببت بجرحه فانزل عنه.
15
فَقُلتُ لَهَا سيري وأرْخي زِمَامَه ولا تُبعديني من جنَاكِ الْمُعَلَّلِ
فأجابها مهدئًا: سيري بالبعير واتركي زمامه مرخيًا، ولا تحرميني من قطاف قربك وعناقك اللذيذ الذي ألهو به وأكرره.
16
فمِثلِكِ حُبْلى قد طَرَقْتُ وَمُرْضعٍ فألْهَيتُها عن ذي تمائمَ مُحْوِلِ
يتفاخر بجرأته، فيقول إنه قد زار ليلًا نساء حبليات ومرضعات (وهن أزهد النساء في الرجال) وشغلهن بسحره عن أطفالهن الصغار ذوي الحول.
17
إذَا ما بكى من خلفها انْصَرَفَتْ لهُ بشِقٍّ وتحتي شِقُّها لم يُحَوَّلِ
يمعن في وصف وله تلك المرضع به، حيث إن طفلها إذا بكى ورائها تلتفت إليه بنصفها الأعلى لترضعه، بينما يبقى نصفها الأسفل ثابتًا تحته لا تحوله عنه.
18
وَيومًا عَلَى ظَهرِ الكَثيبِ تَعَذّرَتْ عَلَيّ وآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ
يتذكر يومًا آخر مع محبوبته فوق كثيب الرمل حين تمنعت عليه وساء خلقها، وحلفت يمينًا مغلظة دون استثناء أنها ستصارمه وتهجره.
19
أفاطِمَ مهلًا بعضَ هذا التَّدَلّلِ وَإن كنتِ قد أزمعتِ صَرْمي فأجملي
يناديها باسمها (فاطمة) مستعطفًا: رفقًا بي ودعي هذا الإفراط في الدلال، وإن كنتِ قد اتخذتِ قرارًا حتميًا بهجري فليكن هجرًا جميلًا.
20
أغَرّكِ مني أنّ حبّكِ قاتِلي وَأنّكِ مهما تأمري القلبَ يَفْعَلِ
يسائلها مستنكرًا: هل زادك جرأة ودلالًا عليّ علمكِ بأن حبك يملك قلبي ويقتله طاعةً، وأن قلبي منقاد لك يمتثل لكل ما تأمرينه به؟.
21
وإِنْ تَكُ قَدْ ساءَتكِ مني خَليقةٌ فَسُلّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ
ويضيف: إن كان ساءكِ خلق من أخلاقي أو كرهتِ خصلةً فيّ، ففارقيني وافصلي قلبكِ (ثيابك) عن قلبي ينفصل ويسلُ كما ينسل الريش.
22
وَما ذَرَفَتْ عَيناكِ إلا لتَضْرِبِي بسَهمَيك في أعشار قَلبٍ مُقَتَّلِ
يوضح أن بكاءها ودموعها لم تكن إلا خطة وصيدًا لتملك بها كامل أجزاء قلبه المذلل بالهوى، كأنها ضربت بسهمي الميسر الفائزين.
23
وَبَيْضَةِ خِدرٍ لا يُرامُ خِباؤُهَا تَمَتَّعْتُ من لَهْوٍ بها غيرَ مُعَجَّلِ
ينتقل لوصف امرأة مصونة لزمت خدرها كبيضة النعام المحمية، لا يجرؤ أحد على طلبها، نال من اللهو والحديث معها وقتًا هادئًا ممتدًا.
24
تجاوَزْتُ أحْراسًا إليها ومَعْشَرًا عليّ حِراصًا لو يُسرّونَ مقتَلي
يصف مغامرته للوصول إليها، حيث تخطى حراسًا يحفظونها وأقاربًا لها حريصين كل الحرص على قتله والتخلص منه لو ظفروا به سرًا.
25
إذَا مَا الثُّرَيَّا فِي السَّمَاءِ تَعَرَّضَتْ تَعُرُّضَ أثْنَاءِ الوِشَاحِ الْمُفَصَّلِ
حدد وقت الزيارة، وهو حين مالت نجوم الثريا في الأفق واستعرضت كأنها قطع الجواهر والذهب المنظومة في وسط وشاح المرأة.
26
فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لنَومٍ ثيابَها لَدَى السِّتْر إلّا لِبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ
دخل عليها وقد خلعت ثيابها استعدادًا للنوم ولم تبقِ عليها سوى ثوب واحد خفيف (لبسة المتفضل) وهي واقفة خلف الستر تنتظره.
27
فقالتْ: يَمينَ الله ما لكَ حيلَةٌ وَما إنْ أرى عنكَ الغَوايةَ تَنْجلي
فقالت له مغنجة وحالفة بالله: لا حيلة لي في دفعك واعتذارك، ولا أرى ضلال هذا العشق وغوايته منكشفًا وخارجًا من رأسك.
28
خَرَجْتُ بها أمشي تَجُرّ وراءَنا على أَثَرَيْنَا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ
أخرجها من خدرها تمشي معه، وكانت تجر وراءهما ذيل كسائها المنقش (المرط المرحل) لتمحو وتُعفي به آثار أقدامهما فلا ينكشف أمرهما.
29
فلمّا أجزْنا ساحَةَ الحيّ وانْتَحَى بنا بطنُ خَبْتٍ ذي حِقَافٍ عقَنقَل
فلما قطعا بيوت القبيلة وابتعدا، وقصدا أرضًا مطمئنة خالية (بطن خبت) تحيط بها كثبان الرمال المتراكمة المنعقدة، أمنا الرقباء وطاب عيشهما.
30
هَصَرْتُ بفَوْدَيْ رأسِها فتَمايَلَتْ عليّ هَضيمَ الكَشحِ رَيًّا الْمُخلخَلِ
جذب الشاعر جانبي رأسها (ذؤابتيها) برفق، فمالت وطاوعته، مبرزةً جمال خصرها الضامر وامتلاء ساقيها عند موضع الخلخال.
31
مُهَفْهَفَةٌ بَيْضَاءَ غيرُ مُفاضةٍ ترائبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
يصف قوامها: فهي لطيفة الخصر، بيضاء اللون، ضامرة البطن لا رخاوة فيها، وصدرها مشرق يتلألأ صفاءً كأنه مرآة مجلوة صقيلة.
32
كَبِكْرِ الْمُقاناةِ البَيَاض بصُفْرَةٍ غَذَاها نَمِيرُ الْمَاء غيرُ الْمُحَلَّلِ
لونها بياض رائع مشوب بصفرة يسيرة (وهو أحسن ألوان النساء)، كدرة لم تمس أو نبت برديّ ناضر غذاه ماء عذب صاف لم يكدره الناس.
33
تصُدّ وتُبْدي عن أسيلٍ وتَتَّقي بناظرّةٍ من وَحشِ وَجْرَةَ مُطْفِلٍ
تعرض العشيقة خجلًا فتظهر خدًا طويلًا ناعمًا، وتنظر إليه بعين واسعة ساحرة كعين ظبية لها أطفال في موضع "وجرة".
34
وَجِيدٍ كَجِيدِ الرّئْمِ ليسَ بفاحشٍ إذا هي نَصّتْهُ وَلا بِمُعَطَّلِ
وتبدي عن عنق طويل متناسق كعنق الغزال الأبيض، ليس بطويل فاحش يخرج عن حد الجمال، وهو مزين بالحلي وغير معطل.
35
وَفَرْعٍ يَزينُ الْمَتنَ أَسْوَدَ فَاحِمٍ أثيتٍ كَقِنْوِ النخلةِ الْمُتَعَثْكِلِ
ولها شعر أسود فاحم شديد السواد كثيف وطويل، يزين ظهرها (المتن) إذا أرسلته كأنه عذق نخلة ممتلئ بالتمر متداخل الأغصان.
36
غدائرُه مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلا تَضِلّ العِقَاصُ فِي مُثَنَّى وَمُرْسَلِ
خصال شعرها مرفوعة ومشدودة إلى الأعلى، وتغيب وتضيع خيوط العقص والتجعيد وسط غزارة وكثافة خصال شعرها المطوية والمرسلة.
37
وَكَشْحٍ لطيفٍ كالجديلِ مُخَصَّرٍ وَساقٍ كأنْبوبِ السّقيّ الْمُذَلَّلِ
ولها خصر دقيق ضامر يشبه في دقته خطام القِتب المتخذ من الأدم، وساق بَضّة بيضاء كأنبوب نبات بردي نبت بين نخل يظله.
38
وتُضْحِي فتيتُ الْمِسكِ فوق فراشها نؤومُ الضحى لم تَنْتَطِقْ عن تفضّلِ
تنام هذه المحبوبة حتى وقت الضحى دلالًا، وتترك فراشها مليئًا بدقائق وفتات المسك، ولا تحتاج لشد وسطها بنطاق الخدمة لأنها مخدومة.
39
وتَعْطو برَخْصٍ غيرِ شَثْنٍ كأنَّهُ أساريعُ ظبْيٍ أوْ مساويكُ إسْحِلِ
تتناول الأشياء بأصابع ناعمة لينة غير غليظة، تشبه أصابعها الدود الأبيض الناعم الذي يظهر في البقل، أو كأغصان شجر الإسحل المستوية.
40
تُضيءُ الظَّلامَ بالعِشاءِ كأنَّها مَنَارَةُ مُمْسَى راهبٍ مُتَبَتِّلِ
يضيء وجهها حلكة الليل إذا دخل العشاء، حتى لكأنها سراج أو منارة راهب منقطع للعبادة أوقد مصباحه ليهتدي به السابلة في الليل.
41
إلى مِثْلها يَرْنو الْحَليمُ صَبَابَةً إذا ما اسبكَرّت بين درعٍ ومِجْوَلِ
مثل هذه الفتاة الفاتنة يميل إليها الرجل العاقل الحليم من فرط جمالها وطول قامتها التي توسطت بين سن الصبا وسن البلوغ.
42
تَسَلّتْ عَماياتُ الرّجالِ عَنِ الصِّبا وليسَ فؤادي عن هواكِ بِمُنْسَلِ
لقد برئ الرجال العشاق وانكشفت عنهم ضلالات الصبا فنسوا عشقهم، أما قلبي فباقٍ على عهد هواك لا يزول حبه ولا ينزع أبدًا.
43
ألا رُبّ خَصْم فيكِ ألْوَى رَدَدتُه نصيحٍ على تَعذالهِ غيرِ مُؤتَلِ
كم من لائم شديد الخصومة (ألوى) جاء ينصحني ويعذلني في حبك باذلاً غاية جهده، رددته خائبًا ولم أستمع للومه تيمًا بكِ.
44
وَليلٍ كَمَوْجِ البَحرِ أرْخَى سُدولَهُ عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
ينتقل لوصف الليل: ورب ليل مخيف طويل يحاكي أمواج البحر في هوله وسواده، أسدل عليّ ستور ظلامه مصحوبًا بالأحزان ليختبر صبري.
45
فَقُلْتُ لَه لَمِّا تَمَطَّي بصُلْبِهِ وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بَكَلْكَلِ
فخاطبت هذا الليل ضجرًا وتبرمًا بطوله حين تمدد كأنه يمد ظهره، وأتبع أواخره تطاولًا، وبعدت أوائله وصدره كأنه جبل جاثم.
46
ألا أيّها اللّيلُ الطويلُ ألا انْجَلِي بصُبْحٍ وما الإِصْبَاحُ مِنكَ بأمثَل
قلت له: أيها الليل الطويل المؤلم انكشف وتزحزح ليحل محلك الصباح، على أنني أعلم أن الصبح ليس بأفضل منك لأن همومي تتواصل فيه.
47
فيا لكَ من لَيْلٍ كَأَنَّ نُجومَهُ بأمراسِ كتّانٍ إلى صُمّ جَندَلِ
فيا عجبًا لهذا الليل الذي لا يتحرك، حتى لكأن نجومه ربطت بحبال وثيقة من الكتان إلى صخور صلبة راسخة فثبتت ولا تريد الغروب.
48
وَقِرْبَةِ أَقوامٍ جَعَلْتُ عِصامَها على كاهلٍ منِّي ذَلُولٍ مُرَحَّلِ
يفتخر بخدمته لرفاقه أو بتحمله أثقال الحقوق والنوائب، حيث حمل قربة الماء بوكائها على أعلى ظهره الذي اعتاد مشاق السفر.
49
وَوَادٍ كَجَوفِ العَيرِ قَفْرٍ قطعتُهُ بِهِ الذئبُ يَعوي كالْخَليعِ الْمُعَيَّلِ
ورب وادٍ واسع خالٍ من الإنس كباطن الحمار الوحشي، قطعته سفرًا، والذئب فيه يصيح ويعوي من الجوع كالمقامر المفلس الذي يطالبه عياله.
50
فقُلتُ لَهُ لَمَّا عَوى: إنّ شأننا قليلُ الغِنى إن كنتَ لَمّا تَمَوَّلِ
فقلت للذئب حين سمعت عواءه: إن حالي وحالك متشابهان في قلة المال، فأنا قليل الغنى ومثلك لم يصر ذا مال بعد.
51
كِلانا إذا ما نالَ شيئًا أفاتَهُ ومَن يحترِث حَرْثي وحَرْثك يهزُلِ
فكلانا إذا ظفر برزق أو صيد أضاعه وبذره ولم يدخره، ومن يسعَ في الكسب بمثل طريقتنا يعش فقيرًا مهزول الحال.
52
وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّير في وُكنَاتِهَا بِمُنْجَردٍ قَيدِ الأوابِدِ هَيْكلِ
يبدأ بوصف فرسه: ربما خرجت للصيد باكرًا والطير لا تزال مستقرة في عشاشها، راكبًا فرسًا سريعًا ماضيًا، عظيم الجرم، يمنع الوحوش (الأوابد) من الإفلات كأنه قيد لها.
53
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا كجلمود صخرٍ حطَّه السيلُ مِنْ عَلِ
هذا الفرس سريع الاستجابة؛ يكر ويفر ويقبل ويدبر بمهارة، ويشبه في سرعة اندفاعه وصلابته حجرًا عظيمًا ألقاه سيل جارف من مكان عالٍ.
54
كُمَيتٍ يَزِلُّ اللّبْدُ عن حالِ متنه كما زَلّتِ الصّفْواءُ بالْمُتَنَزِّلِ
لونه كُميت (بين الأحمر والأسود)، ولسلاسة ظهره واكتناز لحمه ينزلق السرج واللبد عن متنه كما ينزلق المطر عن الصخرة الصماء الملساء.
55
على الذَّبْلِ جَيَّاشٍ كأنّ اهتزامَهُ إذا جاشَ فيه حميُهُ غَليُ مِرْجَلِ
فرس نشيط ذكي الفؤاد تتدفق طاقته رغم ضمر بطنه ونحافته، وصوت تكسر صهيله في صدره عند الجري يشبه غليان القدر الشديد.
56
مِسَحٍّ إذا ما السَّابِحَاتُ على الوَنَي أَثَرن الغُبَارَ بالكَديدِ الْمُرَكَّلِ
يصب الجري صبًا متواصلًا عندما تبدأ الخيل السوابح الأخرى بالفتور والكلال (الونى)، مثيرة الغبار بحوافرها في الأرض الصلبة الموطوءة.
57
يُزِلّ الغُلامَ الْخِفَّ على صَهَواتِهِ ويُلْوي بأثْواب العَنيفِ الْمُثَقَّلِ
لشدة قفزه وعدوه يطير ويُزلق الغلام الخفيف غير الماهر عن ظهره، ويرمي بأثواب الرجل القوي المحترف لعنف حركته ومرحه.
58
دَريرٍ كَخُذْروفِ الوليدِ أمَرَّهُ تتابُعُ كَفَّيهِ بِخَيْطٍ مُوَصَّلِ
سريع السير متتابعه كأنه "خذروف" (لعبة الصبي التي يديرها بخيط) أحكم الصبي فتل خيطها الموصول لتدور بأقصى سرعة ممكنة.
59
له أَيْطَلا ظَبْيٍ وساقا نعامَةٍ وَإرْخاءُ سِرْحَانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ
جمع أربع تشبيهات: له خاصرتان ضامرتان كخاصرتي الظبي، وساقان طويلتان كالنعامة، وعدوه مسترسل كعدو الذئب، وتقريبه كولد الثعلب.
60
ضَليعٍ إذا استَدْبَرْتَهُ سَدّ فَرْجَهُ بضافٍ فُوَيق الأرضِ ليس بأعزَلِ
فرس عظيم الأضلاع قوي البنية، إذا نظرت إليه من الخلف رأيت ذنبه الطويل السابغ يسد الفضاء بين رجليه، وهو مستوٍ غير مائل.
61
كأن على الْمَتْنَيْنِ منهُ إذا انْتَحَى مَداكَ عروسٍ أو صَلايةَ حنظلِ
كأن ظهر هذا الفرس عند اعتماده في السير حجر أملس تسحق عليه العروس طيبها، أو حجر صلب يكسر عليه حب الحنظل لانملاسه.
62
كأنّ دِماءَ الهادِياتِ بنَحْرِهِ عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بشَيبٍ مُرَجَّلِ
كأن دماء أوائل الصيد الجامدة على صدره ونحره عصارة حناء حمراء صبغت شعر رأس أشيب مسرّح بالمشط.
63
فَعَنّ لنا سِرْبٌ كأنّ نِعاجَه عَذارَى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ
فظهر لنا قطيع (سرب) من بقر الوحش، تشبه إناثه الفتيات العذارى اللواتي يطفن حول حجر الدوار في ثياب بيضاء طويلة الأذيال.
64
فأدْبَرْنَ كالْجِزْعِ الْمُفَصَّلِ بَيْنَهُ بجِيدٍ مُعَمٍّ في العَشيرَةِ مُخْوَلِ
فتفرقت النعاج هاربة فبدت بألوانها البيضاء والسوداء كالخرز اليماني المفصل المفترق في عنق صبي كريم الأعمام والأخوال.
65
فألْهَيتُنا بالهاديات وَدُونَهُ جَواحِرُها في صَرّةٍ لم تُزَيَّلِ
فألحقنا الفرس بأوائل الوحش المتقدمة السريعة، وترك خلفه المتأخرات منها مجتمعة في مكانها لم تتفرق بعد لفرط سرعته.
66
فَعادى عِداءً بَينَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ دِرَاكًا وَلَمْ يَنْضَح بماءٍ فيُغسَلِ
فوالى وتابع الفرس الصيد بين ثور ونعجة وأدركهما معًا في شوط واحد، دون أن يبذل جهدًا كبيرًا يجعله يعرق عرقًا يغسله.
67
فظلل طُهاةُ اللَّحمِ من بَينِ مُنْضِجٍ صَفيفَ شِواءٍ أوْ قَديرٍ مُعَجَّلِ
فانشغل طباخو اللحم في ذلك النهار؛ فمنهم من يصف اللحم على الحجارة المحماة ليشوى، ومنهم من يطبخه في القدر على عجل لكثرة الصيد.
68
وَرُحْنا يكادُ الطَّرْفُ يقصُرُ دونَهُ متى ما تَرَقَّ العَينُ فيه تَسَفَّلِ
وعدنا بالمساء والعيون عاجزة عن استيعاب كامل حسنه، فكلما ارتفعت العين لتتأمل أعالي خلقه نزلت لتنظر إلى جمال قوائمه وأسافله.
69
فَباتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلجامُهُ وباتَ بعَيني قائمًا غَيرَ مُرْسَلِ
فبات الفرس طوال الليل مسرجًا ملجمًا، مستعدًا ومستيقظًا تحت عيني الشاعر، ولم يرسله إلى المرعى حرصًا عليه.
70
أصاحِ تَرَى برقًا أُريكَ ومَيضَهُ كَلَمْعِ اليَدَينِ في حَبيٍّ مكلَّلِ
يبدأ بوصف المطر: يا صاحبي انظر إلى هذا البرق الذي أريك لمعانه في سحاب متراكم (حبي) يشبه في حركته الخاطفة تحريك اليدين.
71
يُضيءُ سَناهُ أو مَصابيحُ راهِبٍ أمالَ السَّليطَ بالذُّبالِ الْمُفَتَّلِ
يتلألأ ضوء هذا البرق في دجى الليل كأنه مصابيح راهب صب الزيت (السليط) بكثرة على فتائلها المفتولة لتشتد إضاءتها ونورها.
72
قَعَدْتُ لَهُ وَصُحْبَتي بينَ ضارجٍ وَبَيْنَ العُذَيبِ بَعْدَ مَا مُتَأَمِّلي
قعد الشاعر مع أصحابه يرقبون السحاب بين موضعي ضارج والعذيب، وكان السحاب بعيدًا جدًا عن منظره ومتأمله.
73
على قَطَنٍ بالشَّيْمِ أيْمَنُ صَوْبِهِ وأيْسَرُهُ على السّتارِ فَيَذْبُلِ
يقدر الشاعر بنظره أن اتجاه المطر وغزارته يقع أيمنه على جبل قطن، بينما يقع شقه الأيسر بعيدًا فوق جبلي الستار ويذبل.
74
فأضْحَى يَسُحُّ الماءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ يكُبّ على الأذقانِ دَوْحَ الكَنَهْبلِ
فأخذ السحاب يصب المطر بغزارة حول موضع "كتيفة"، ويقلع شدة السيل الأشجار العظيمة (الكنهبل) ويلقيها على رؤوسها وأذقانها.
75
وَمرّ عَلَى القَنَّانِ من نَفَيانِهِ فَأَنْزَلَ منه العُصْمَ من كلّ منزِلِ
ومر السيل على جبل "القنان"، وتطاير رشاش مطره بقوة حتى أجبر الأوعال والتيوس الجبلية (العصم) على النزول من معاقلها خوفًا وهلعًا.
76
وَتَيْمَاءَ لم يَتْرُكْ بها جِذْعَ نخلَةٍ ولا أُطُمًا إلا مَشيدًا بِجَنْدَلِ
واجتاح المطر قرية "تيماء" فقلع جذوع النخل وهدم الحصون والقصور (الآطام)، ولم يصمد أمامه إلا البناء المرفوع بالصخر والجص.
77
كأنّ ثَبيرًا في عَرانينِ وَبْلِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في بجادٍ مُزَمَّلِ
كأن جبل "ثبير" في أوائل هذا المطر الغزير المحيط به سيد شيخ كبير من الناس قد تلفف واستتر بعباءة أو كساء مخطط.
78
كأنّ ذُرَى رَأْسِ الْمُجَيْمِرِ غُدْوَةً من السّيلِ والأغْثاء فَلكة مِغزَلِ
وكأن قمة أكمة "المجيمر" في الصباح، لما أحاط بها السيل وجرف حولها الحشيش والتراب (الأغثاء)، رأس مستدير كفلكة المغزل.
79
وألقى بصَحراءِ الغَبيطِ بَعاعَهُ نُزُولَ اليَمَاني ذي العِيابِ الْمحمَّلِ
صب المطر ثقله وخيره في صحراء "الغبيط"، فأنبتت الأرض أزهارًا ملونة، كأنها تاجر يماني نزل بوعائه ونشر ثيابه المزركشة للبيع.
80
كَأنَّ مَكاكيّ الجواء غُدَيّةً صُبحنَ سُلافًا مِن رَحيقٍ مُفَلْفَلِ
كأن طيور المكاء في هذا الوادي عند الصباح قد سقيت خمرًا لذيذًا ممزوجًا بالفلفل، لنشاطها الشديد وحدتها وتتابع تغريدها الفرح.
81
كأنّ السّباعَ فِيهِ غَرْقَي عَشِيّةً بِأَرْجَائِهِ القُصْوَى أنابيشُ عُنْصُلِ
وكأن السباع التي غرقت في سيول هذا المطر وبدت جثثها متلطخة بالطين في النواحي البعيدة، أصول وجذور البصل البري (العنصل).