حياته

نسبه وخبر ولادته

هو الحارث بن حلزة بن مكروه بن يزيد بن عبد الله، وينتهي نسبه إلى بني يشكر من بكر بن وائل بن قاسط. وضبط “حِلِّزة” بكسر الحاء المهملة وكسر اللام المشددة، وهي في اللغة اسم لدويبة، واسم للبومة، ويقال امرأة حلزة للقصيرة والبخيلة، وحُكي عن قطرب أنها ضرب من النبات. وكان الحارث معدودًا في المعمرين؛ إذ عاش مائة وخمسين سنة، ومات سنة 52 قبل الهجرة و570 للميلاد.

طبقته في الشعراء وحديثه مع عمرو بن هند

عدّه أبو عبيدة أحد ثلاثة شعراء جادوا بقصيدة واحدة جيدة طويلة (أصحاب الواحدات)، وقرنه بعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد. وزعم الأصمعي أن الحارث قال معلقته وهو ابن مائة وخمس وثلاثين سنة.

وقصة حديثه تكمن في أن ملك الحيرة عمرو بن هند جمع بكرًا وتغلب وأصلح بينهم، وأخذ من كل حي رهينة من مائة غلام ليكف بعضهم عن بعض، وكان هؤلاء الرهن يغزون مع الملك، فأصابتهم سموم (ريح حارة) في بعض مسيرهم، فهلك عامة غلمان بني تغلب وسلم غلمان بني بكر. فقالت تغلب لبكر: أعطونا ديات أبنائنا، واجتمعوا إلى الملك ومعهم عمرو بن كلثوم يناضل عنهم. وجاءت بكر بالنعمان بن هرم ليتكلم باسمهم، فوقعت مشادة كلامية قوية بين عمرو بن كلثوم والنعمان بن هرم، وغضب الملك عمرو بن هند وكان يميل إلى بني تغلب.

عند ذلك، قام الحارث بن حلزة فارتجل معلقته ارتجالاً في موقف واحد؛ وتوكأ على قوسه وأنشدها، واقتطم كفه (أي جرحها) وهو لا يشعر من شدة الغضب والجهد حتى فرغ منها. وكان أبو عمرو الشيباني يعجب لارتجال هذه القصيدة في موقف واحد ويقول: “لو قالها في حول لم يُلم”، وقد جمع فيها الحارث ذكرًا لعدة من أيام العرب غيّر ببعضها بني تغلب صراحةً وعرّض ببعضها للملك.

موقفه مع الملك بعد إنشاد المعلقة

ذكر ابن الكلبي أن الحارث كان به “وضح” (وهو البرص)، فلما أراد الإنشاد أُمِر أن يُجعل بينه وبين الملك ستر، فلما تكلم وأعجب الملك بمنطقه وبلاغته وسداد حجته، لم يزل الملك يقول: “أدنوه أدنوه” حتى أُزيل الستر وأقعده معه على جفنته، وأمر ألا يُنضح أثره بالماء تكرمة له. ثم جزّ الملك نواصي السبعين رجلاً الذين كانوا رهينة في يده من بكر ودفعهم إلى الحارث، وأمره ألا ينشد قصيدته تلك إلا وهو متوضئ، وظلت تلك النواصي مفخرة لبني بكر. وبسبب هذا الموقف ضُرب بالحارث المثل في الفخر، فقيل في الأمثال: “أفخر من الحارث بن حلزة”.