الإيذان: الإعلام. البين: الفراق. الثواء والثُويّ: الإقامة، والفعل ثوى يثوي. يقول: أعلمتنا أسماء بمفارقتها إيانا، أي بعزمها على فراقنا، ثم قال: رب مقيم تمل إقامته ولم تكن أسماء منهم، يريد أنها وإن طالت إقامتها لم أمللها، والتقدير: رب ثاو يمل من ثوائه.
هذه كلها مواضع عهدها بها. يقول: قد عزمت على مفارقتنا بعد طول العهد.
5
لا أَرى مَن عَهِدتُ فيها فَأَبكي الـ|ـيَومَ دَلْهًا وَما يُحِيرُ البُكاءُ
شرح الزوزني
الإحارة: الرد، من قولهم: حار الشيء يحو حورًا، أي رجع، وأحرته أنا أي رجعته فرددته. يقول: لا أرى في هذه المواضع من عهدت فيها، يريد أسماء، فأنا أبكي اليوم ذاهب العقل وأي شيء رد البكاء على صاحبه؟ وهذا استفهام يتضمن الجحود، أي لا يرد البكاء على صاحبه فائتًا، ولا يجدي عليه شيئًا، وتحرير المعنى: لما خلت هذه المواضع منها بكيت جزعًا لفراقها مع علمي بأنه لا طائل في البكاء. الدَّلْه والدَّلَهُ: ذهاب العقل، والتدلية إزالته.
ألوى بالشيء: أشار به. العلياء: البقعة العالية. يخاطب نفسه ويقول: وإنما أوقدت هند النار بمرآك ومنظر منك، وكأن البقعة العالية التي أوقدتها عليها كانت تشير إليك بها، يريد أنها ظهرت لك أَتَمّ ظهور فرأيتها أتم رؤية.
التَّنَوُّرُ: النظر إلى النار. خزازى: بقعة بعينها. هيهات: بعدُ الأمر جدًّا. الصلاء مصدر صَلْيِ النَّار، وصَلِيَ بالنار يصلى صِلَىً وَصِلَاءً إذا احترق بها أو ناله حرّها. يقول: ولقد نظرت إلى نار هند بهذه البقعة على بعد بيني وبينها لأصلاها، ثم قال: بعد منك الاصطلاء بها جدًّا، أي أردت أن آتيها فعاقتني العوائق من الحروب وغيرها.
غير أني: يريد ولكني، انتقل من النسيب إلى ذكر حاله في طلب المجد. الثويّ والثاوي: المقيم. النّجاء: الإسراع في السير، والباء للتعدية. يقول: ولكني أستعين على إمضاء همي وقضاء أمري إذا أسرع المقيم في السير لعظم الخطب وفظاعة الخوف.
الزَّفيف: إسراع النعامة في سيرها ثم يستعار لسير غيرها، والفعل زفّ يزِف، والنعت زافّ، والزفوف مبالغة. الهقلة: النعامة، والظليم هقل. الرأل: ولد النعامة، والجمع رئال، الدوِّية: منسوبة إلى الدوّ وهي المفازة (المفازة: الفلاة لا ماء فيها). السقف: طول مع انحناء، والنعت أسقف. يقول: أستعين على إمضاء همي وقضاء أمري عند صعوبة الخطب وشدته بناقة مسرعة في سيرها, كأنها في إسراعها في السير نعامة لها أولاد طويلة منحنية لا تفارق المفاوز.
النَّبْأَةُ: الصوت الخفي يسمعه الإنسان أو يتخيله. القُنّاص. جمع قانص وهو الصائد. الإفزاع: الإخافة. العصر: العشي. يقول: أَحَسّت هذه النعامة بصوت الصيادين فأخافها ذلك عشيًّا وقد دنا دخولها في المساء، لما شبه ناقته بالنعامة بسيرها بالغ في وصف النعامة بالإسراع في السير بأنها تَئُوب إلى أولادها مع إحساسها بالصيادين وقرب المساء، فإن هذه الأسباب تزيدها إسراعًا في سيرها.
المنين: الغبار الرقيق. الأهباء: جمع هباء، والإهباء إثارته. يقول: فترى أنت أيها المخاطب خلف هذه الناقة من رجعها (رجع الناقة: خطوها) قوائمها وضربها الأرض بها غبارًا رقيقًا كأنه هباء منبث. وجعله رقيقًا إشارة إلى غاية إسراعها.
الطراق: يريد بها أطباق نعلها. ألوى بالشيء: أفناه وأبطله، وألوى بالشيء أشار به. يقول: وترى خلفهما أطباق نعلها في أماكن مختلفة قد قطعها وأبطلها قطع الصحراء ووطؤها.
يقول: أتلعب بها في أشد ما يكون من الحر إذا تحيَّر صاحب كل هم تحير الناقة البلية (البلية: الناقة يموت صاحبها فتحبس على قبره حتى تموت) العمياء. يقول: أركبها وأقتحم بها لفح الهواجر إذا تحير غيري في أمره، يريد أنه لا يعوقه الحرّ عن مرامه.
يقول: ولقد أتانا من الحوادث والأخبار أمر عظيم نحن معنيون محزونون لأجله. عُني الرجل بالشيء يُعْنَى به فهو معني به، وعنِيَ يعْنَى إذا كان ذا عناء به. وسؤت الرجل سواء ومَساءة وسوائية أحزنته.
الأراقم: بطون من تغلب، سموا بها لأن امرأة شبهت عيون آبائهم بعيون الأراقم (الأراقم: جمع أرقم وهو الذكر من الحيات أو أخبثها). الغلو: مجاوزة الحد. الإحفاء: الإلحاح. ثم فسر ذلك الخطب فقال: هو تعدي إخواننا من الأراقم علينا وغلوهم في عدوانهم علينا في مقالتهم.
العير في هذا البيت يفسر: بالسيد، والحمار، والوتد، والقذى، وجبل بعينه. قوله: وأنَّا الولاء، أي أصحاب ولائهم، فحذف المضاف, ثم إن فسر العير بالسيد كان تحرير المعنى: زعم الأراقم أن كل من يرضى بقتل كليب وائل بنو أعمامنا وأنَّا أصحاب ولائهم تلحقنا جرائرهم، وإن فسر بالحمار كان المعنى: أنهم زعموا أن كل من صاد حُمُرَ الوحش موالينا، أي ألزموا العامة جناية الخاصة، وإن فسر بالوتد كان المعنى: زعموا أن كل من ضرب الخيام وطنَّبها بأوتادها موالينا، أي ألزموا العرب جناية بعضنا، وإن فسر بالقذى كان المعنى: زعموا أن كل من ضرب القذى ليتنحي فيصفوا الماء موالينا، وإن فسر بالجبل المعيّن كان المعنى: زعموا أن كل من صار إلى هذا الجبل موالٍ لنا. وتفسير آخر البيت في جميع الأقوال على نمط واحد.
يقول: أيها الناطق عند الملك الذي يبلّغ عنا الملك ما يريبه ويشككه في محبتنا إياه ودخولنا تحت طاعته وانقيادنا لحبل سياسته، هل لذلك التبليغ بقاء؟ وهذا استفهام معناه النفي, أي لا بقاء لذلك؛ لأن الملك يبحث عنه فيعلم أن ذلك من الأكاذيب المخترعة والأباطيل المبتدعة؛ وتحرير المعنى: أنه يقول: أيها المضرب (المضرب: المفسد) بيننا وبين الملك بتبليغك إياه عنا ما يكرهه لا بقاء لما أنت عليه لأن بحث الملك عنه يعرفه أنه كذب بحت محض.
22
لا تَخَلْنَا عَلَى غَرَاتِكَ إنّا|قَبْلُ مَا قَدْ وَشَى بِنا الأَعْداءُ
شرح الزوزني
الغراة: اسم بمعنى الإغراء، يخاطب من يسعى بهم من بني تغلب إلى عمرو بن هند ملك العرب. يقول: لا تظننا متذللين متخاشعين لإغرائك الملك بنا، فقد وشى بنا أعداؤنا إلى الملوك قبلك؛ وتحرير المعنى: إن إغراءك الملك بنا لا يقدح في أمرنا كما لم يقدح إغراء غيرك فيه، قوله: على غراتك، أي على امتداد غراتك، والمفعول الثاني لَتَخَلْنَا محذوف تقديره: لا تخلنا متخاشعين، وما أشبه ذلك.
الباء في: بعيون، زائدة، أي بيّضت عيون الناس، وتبييض العين: كناية عن الإعماء. وما في قوله: قبل ما، صلة زائدة. يقول: قد أعمت عزتنا قبل يومنا الذي نحن فيه عيون أعدئنا من الناس، يريد أن الناس يحسدوننا على إباء عزتنا على من كادها وتغيظها على من أرادها بسوء، حتى كأنهم عموا عند نظرهم إلينا لفرط كراهيتهم ذلك وشدة بغضهم إيانا، وجعل التغيظ والإباء للعزة مجازًا وهما عند التحقيق لهم.
الرَّديُ: الرّمي، والفعل منه ردى يَردي. قوله: بنا، أي تردينا. الأرعن: الجبل الذي له رعن (الرعن: أنف الجبل الشاخص البارز). الجون: الأسود والأبيض جميعًا، والجمع الْجُون، والمراد به الأسود في البيت. الانجياب: الانكشاف والانشقاق. العماء: السحاب. يقول: وكأن الدهر برميه إيانا بمصائبه ونوائبه يرمي جبلًا أرعن أسود ينشق عنه السحاب، أي يحيط به ولا يبلغ أعلاه، يريد أن نوائب الزمان وطوارق الحدثان لا تؤثر فيهم ولا تقدح في عزهم، كما لا تؤثّر في مثل هذا الجبل الذي لا يبلغ السحاب أعلاه لسموّه وعلوّه.
26
مُكْفَهِرًّا عَلَى الْحَوَادِثِ لا تَرْ|تُوهُ للدّهْرِ مُؤَيدٌ صَمَّاءُ
شرح الزوزني
الاكفهرار: شدة العبوس والقطوب. الرتو: الشَّدُّ والإرخاء جميعًا، وهو من الأضداد، ولكنه في البيت بمعنى الإرخاء. المؤيد: الداهية العظيمة، مشتقة من الأيد والآد وهما القوة. الصمّاء: الشديدة، من الصمم الذي هو الشدة والصلابة، والبيت من صفة الأرعن. يقول: يشتد ثباته على انتياب الحوادث لا ترخيه ولا تضعفه داهية قوية شديدة من دواهي الدهر، يقول: ونحن مثل هذا الجبل في المنعة والقوة.
إرم: جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام. يقول: هو إرمي من الحسب قديم الشرف، بمثله ينبغي أن تجول الخيل وأن تأبى لخصمها أن يجلى صاحبها عن أوطانه، يريد أن مثله يحمي الحوزة ويذبّ عن الحريم.
الخطة: الأمر العظيم الذي يحتاج إلى مخلص منه. أدّوها أي فوضوها. الأملاء: الجماعات من الأشراف، الواحد ملأ، لأنهم يملأون القلوب والعيون جلالة وجمالًا. يقول: فوضوا إلى آرائنا كل خصومة أردتم تشفى بها جماعات الأشراف والرؤساء بالتخلص منها إذ لا يجدون عنها مخلصًا، يريد أنهم أولو رأي وحزم يشفى به ويسهل عليهم، ما يتعذر على غيرهم من الأشراف في فصل الخصومات والقضاء في المشكلات.
يقول: إن بحثتم عن الحروب التي كانت بيننا وبين هذين الموضعين وجدتم قتلى لم يثأر بها وقتلى قد ثُئِر بها، فسمّى الذي لم يثأر بها أمواتًا، والذي ثُئِر بهم أحياء؛ لأنهم لما قتل بهم من أعدائهم كأنهم عادوا أحياء إذ لم تذهب دماؤهم هدرًا، يريد أنهم ثأروا بقتلاهم وتغلب لم تثأر بقتلاهم.
الإسقام: مصدر، والأسقام جمع سُقُم وسَقَمَ. الإبراء: مصدر، والأبراء: جمع برء. النقش: الاستقصاء، ومنه قيل لاستخراج الشوك من البدن نقش. والفعل منه نقَش ينقُشُ. يقول: فإن استقصيتم في ذكر ما جرى بيننا من جدال وقتال، فهو شيء قد يتكلفه ويتبين فيه المذنب من البريء، كنّى بالسقم عن الذنب وبالبرء عن براءة الساحة، يريد أن الاستقصاء فيما ذكر يبيّن براءتنا من الذنب والذنب ذنبكم.
32
أو سَكَتّمْ عَنّا فَكَنّا كَمَنْ أَغْـ|ـمَضَ عَيْنًا في جَفْنِهَا الأَقْذَاءُ
شرح الزوزني
الأقذاء: جمع القذى، والقذى جمع قذاة. يقول: وإن أعرضتم عن ذلك أعرضنا عنكم مع إضمارنا الحقد عليكم كمن أغضى الجفون عن القذى.
يقول: وإن منعتم ما سألناكم من المهادنة والموادعة، فمن الذي حدثتم عنه أنه عزنا وعلانا، أي فأي قوم أخبرتم عنهم أنهم فضلونا، أي لا قوم أشرف منا، فلا نعجز عن مقابلتكم بمثل صنيعكم.
الغوار: المغاورة. العواء: صوت الذئب ونحوه، وهو ههنا مستعار للضجيج والصياح. يقول: قد علمتم غناءنا في الحروب وحمايتنا أيام إغارة الناس بعضهم على بعض، وضجيجهم وصياحهم مما ألَمّ بهم من الغارات. وهل في البيت بمعنى قد لأنه يحتج عليهم بما علموه. الانتهاب: الإغارة.
السعف: أغصان النخلة، والوحدة سَعَفة. قوله، سيرًا، أي فسارت سيرًا فحذف الفعل لدلالة المصدر عليه، الحساء: موضع بعينه. يقول: حين رفعنا جمالنا على أشد السير حتى سارت من البحرين سيرًا شديدًا إلى أن بلغت هذا الموضع الذي يعرف بالحساء، أي طوينا ما بين هذين الموضعين سيرًا وإغارة على القبائل، فلم يكفنا شيء عن مرامنا حتى انتهينا إلى الحساء.
أحرمنا أي دخلنا في الشهر الحرام. يقول: ثم ملنا من الحساء فأغرنا على بني تميم، ثم دخل الشهر الحرام وعندنا سبايا القبائل قد استخدمناهن، فبنات الذين أغرنا عليهم كن إماء لنا.
37
لا يُقيمُ العَزيزُ بالبَلَدِ السَّهْـ|ـلِ وَلا يَنْفَعُ الذّليلَ النَّجَاءُ
شرح الزوزني
النجاء، ممدودًا ومقصورًا: الإسراع في السير. يقول: وحين كان الأحياء الأعزة يتحصنون بالجبال ولا يقيمون بالبلاد السهلة، والأذلاء كان لا ينفعهم إسراعهم في الفرار، يريد أنهم الشر كان شاملًا عامًا لم يسلم منه العزيز ولا الذليل.
وَأَلَ، وَوَاءَلَ: أي هرب وفزع. الرجلاء: الغليظة الشديدة. يقول: لم ينج الهارب منا تحصنه بالجبل ولا بالحرّة (الحرة: أرض ذات حجارة سود كأنها أحرقت) الغليظة الشديدة.
39
مَلِكٌ أَضْرَعَ البَرِيّة لا يُو|جَدُ فِيهَا لِمَا لَدَيْهِ كِفَاءُ
شرح الزوزني
أضرع: ذَلَّلَ وقهر ومنه قولهم في المثل: الحمى أضرعتني لك. الكفاءة والمكافأة: المساواة. يقول: هو ملك ذلل وقهر الخلق فما يوجد فيهم من يساويه في معاليه. والكفاء بمعنى المكافئ، فالمصدر موضوع اسم الفاعل.
التكاليف: المشاقّ والشدائد. يقول: هل قاسيتم من المشاق والشدائد ما قاسى قومنا حين غزا منذر أعداءه فحاربهم؟ وهل كان رعاء (الرِّعاء: جمع الراعي) لعمرو بن هند كما كنتم رعاءه؟ ذكر أنهم نصروا الملك حين لم ينصره بنو تغلب، وعيّرهم بأنهم رعاء الملك وقومه يأنفون من ذلك.
طُلَّ دمه وأطل: أهدر. العفاء: الدروس، وهو أيضًا التراب الذي يغطي الأثر يقول: ما قتلوه من بني تغلب أهدرت دماؤهم حتى كأنها غطيت بالتراب ودرست، يريد أن دماء بني تغلب تهدر ودماؤهم لا تهدر بل يدركون ثأرهم.
الأسودان: الماء والتمر. هداهم أي تقدمهم. يقول: وكان يتقدمهم ومعه زادهم من الماء والتمر، وقد يكون هدى بمعنى قاد، والمعنى: فقاد هذا المعسكر وزادهم التمر والماء، ثم قال: وأمر الله بالغ مبالغة يشقى به الأشقياء في حكمه وقضائه.
يقول: هو الذي لنا عنده ثلاث آيات، أي ثلاث دلائل من دلائل غنائنا وحسن بلائنا في الحروب والخطوب، يقضى لنا على خصومنا في كلها، أي يقضي الناس لنا بالفضل على غيرنا فيها.
الشقيقة: أرض صلبة بين رملتين، والجمع شقائق. الشروق: الطلوع والإضاءة. يقول: إحداها شارق (الشارق: الآتي من قبل المشرق) الشقيقة حين جاءت معد بألويتها وراياتها. وأراد بشارق الشقيقة: الحرب التي قامت بها.
أراد قيس بن معد يكرب من ملوك حمير. الاستلئام: لبس اللأمة وهي الدرع. القرظ: شجر يدبغ به الأديم. الكبش: السيد، مستعار له بمنزلة القرم. البعلاء: هضبة بيضاء. يقول: جاءت مع راياتها حول قيس متحصنين بسيد من بلاد القرظ، وبلاد القرظ: اليمن كأنه في منعته وشوكته هضبة من الهضاب، يريد أنهم كفوا عادية قيس وجيشه عن عمرو بن هند.
51
وَصَتيتٍ مِنَ العَوَاتِكِ لا تَنْـ|ـهَاهُ إلا مُبْيَضّةٌ رَعْلاءُ
شرح الزوزني
الصتيت: الجماعة. العواتك: الشوابّ الحرائر الخيار من النساء. الرعلاء: الطويلة الممتدة. يقول: والثانية جماعة من أولاد الحرائر الكرائم الشوابّ، لا يمنعها عن مرامها ولا يكفها عن مطالبها إلا كتيبة مبيضة ببياض دروعها وبَيْضها عظيمة ممتدة، وقيل: بل معناه إلا سيوف مبيضة طوال، وقوله: من العواتك، أي من أولاد العواتك.
الحزم: أغلظ من الْحَزَن (الحزن: ما غلظ من الأرض). ثهلان: جبل بعينه. الشِلال: الطراد. الأنساء: جمع النسا وهو عرق معروف في الفخذ. التدمية والإدماء: اللطخ بالدم. يقول: ألجأناهم إلى التحصين بغلظ هذا الجبل والالتجاء إليه في مطاردتنا إياهم وأدمينا أفخاذهم بالطعن والضرب.
الجبه: أعنف الردع، والفعل جبه يجبه. النهز: التحريك. الجمة: ماء الكثير المجتمع. الطوي: البئر التي طويت بالحجارة أو اللبن. يقول: منعناهم أشد منع وأعنف ردع، فتحركت رماحنا في أجسامهم كما تحرك الدلاء في ماء البئر المطوية بالحجارة.
حان: تعرض للهلاك، وحان: هلك، يحين حينًا. يقول: وفعلنا بهم فعلًا بليغًا لا يحيط به علمًا إلا الله ولا دماء للمتعرضين للهلاك أوالهالكين، أي لم يطلب بثأرهم ودمائهم.
الورد: الذي يضرب لونه إلى الحمرة. الهمس: صوت القدم. وجعل الأسد هموسًا؛ لأنه يسمع من رجليه في مشيه صوت. شمرت: استعدت. الغبراء: السنة الشديدة لاغبرار الهواء فيها. يقول: كان حجر أسدًا في الحرب بهذه الصفة، وكان للناس بمنزلة الربيع إذا تهيأت، واستعدت السنة الشديدة للشر، يريد أنه كان ليث الحرب غيث الجدب.
يقول: وكانت مع الجون كتيبة شديدة العناد كأنها في شوكتها وعُدَّتها هضبة دَفِئَة. والجون الثاني بدل من الأول، والأول في التقدير محذوف كقوله تعالى: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَواتِ} [غافر: 36، 37] .
العجاجة: الغبار. تلظى: تلهب. الصِّلاء والصِلَى: مصدر صليت بالنار أصلى إذا نالك حرها. يقول: ما جزعنا تحت غبار الحرب حين تولوا في حال الطراد ولا حين تلهب نار الحرب.
61
وَأَقْدْنَاهُ رَبَّ غَسّانَ بِالْمُنْـ|ـذِرُ كَرْهًا إِذْ لا تُكَالُ الدِّمَاءُ
شرح الزوزني
أقدته: أعطيته القَوَد (القَوَدُ: القِصاص). يقول: وأعطيناه ملك غسان قودًا بالمنذر حين عجز الناس عن الاقتصاص وإدراك الأثآر، وجعل كيل الدماء مستعارًا للقصاص، وهذه هي الآية الثالثة.
يقول: مثل هذه القرابة تستخرج النصيحة للقوم الأقارب قربى أرحام يتصل بعضها ببعض كفلوات يتصل بعضها ببعض. الفلاة تجمع على الفلا ثم تجمع الفلا على الأفلاء، وتحرير المعنى: إن مثل هذه القرابة التي بيننا وبين الملك توجب النصيحة له إذ هي أرحام مشتبكة.
الطَّيْخُ: التكبر. التعاشي: التعامي، وهما تكلف العَشَى والعَمَى ممن ليس به عشىً وعمىً وكذلك التفاعل إذا كان بمعنى التكلف. يقول: فاتركوا الكبر وإظهار التجبر والجهل وإن لزمتهم ذلك ففيه الداء، يعني: أفضى بكم ذلك إلى شر عظيم.
ذو المجاز: موضع جمع به عمرو بن هند بكرًا وتغلب وأصلح بينهما وأخذ منهما الوثائق والرهون. يقول: واذكروا العهد الذي كان منا بهذا الموضع وتقديم الكفلاء فيه.
المهارق: جمع المهرق، وهو فارسي معرب، يأخذون الخرقة ويطلونها بشيء ثم يصقلونها ثم يكتبون عليها شيئًا، والمهرق: معرب مهر كرد. يقول: وإنما تعاقدنا هناك حذر الجور والتعدي من إحدى القبيلتين فلا ينقض ما كتب في المهارق الأهواء الباطلة، يريد أن ما كتب في العهود لا تبطله أهواؤكم الضالة.
العنن: الاعتراض، والفعل عَنَّ يَعِنُّ. العَتْر: ذبح العتيرة، وهي ذبيحة كانت تذبح للأصنام في رجب. الحجرة: الناحية، والجمع الْحَجْرات. وقد كان الرجل ينذر إن بلَّغ الله غنمه مائة ذبح منها واحدة للأصنام ثم ربما ضنّت نفسه بها فأخذ ظبيًا وذبحه مكان الشاة الواجبة عليها. يقول: ألزمتمونا ذنب غيرنا عَنَنًا كما يذبح الظبي لحقٍّ وجب في الغنم.
الجراء والْجَرَّى بالمد والقصر: الجناية. النَّوطُ: التعليق. جوز: وسط، والجمع الأجواز. العبء: الثقل. يقول: أم علينا جناية إياد؟ ثم قال: ألزمتمونا ذلك كما تعلق الأثقال على وسط البعير المحمل.
التلحيب: التقطيع. الأوب والإياب: الرجوع. يقول: تركت بنو تميم هؤلاء القوم مقطعين بالسيوف وقد رجعوا إلى بلادهم مع غنائم يصم حداء حداتها آذان السامعين، أشار بذلك إلى كثرتها.
يقول: ثم جاءوا يسترجعون الغنائم فلم ترد عليهم شاة زهراء، أي بيضاء، ولا ذات شامة، هذه الأبيات كلها تعيير لهم وإبانة عن تعديهم وطلبهم المحال؛ لأن مؤاخذة الإنسان بذنب غيره ظلم صراح.
الفيء: الرجوع، والفعل فاء يفيء. يقول: ثم انصرفوا منهم بداهية قصمت ظهورهم وغليل أجواف لا يسكنه شرب الماء لأنه حرارة الحقد لا حرارة العطش، يريد أنهم فاءوا وقتلوا ولم يثأروا بقتلاهم.
يقول: وهو الملك والشاهد على حسن بلائنا يوم قتالنا بهذا الموضع والعناء عناء، أي قد بلغ الغاية، يريد عمرو بن هند فإنه شهد عناءهم هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم.