حياته

نسبه

هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب، وينتهي نسبه إلى هوازن من قيس عيلان من مضر. وكان يقال لأبيه “ربيعة المقترين” لجوده وسخائه. مات أبوه وهو صغير في حرب كانت بين بني عامر وبني عبس، وأمه عبسية تُدعى تامرة بنت زنباع. مات لبيد سنة 40 للهجرة و660 للميلاد.

طبقته في الشعراء

عَدّه ابن سلام في الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية وقرنه بنابغة بني جعدة وأبي ذؤيب الهذلي والشماخ. ورُوي أن النابغة الذبياني استنشده وهو شاب عند باب النعمان بن المنذر، فأنشده قصائد ومنها معلقته “عفت الديار…”، فقال له النابغة: “اذهب فأنت أشعر العرب”. ولما سُئل لبيد في كبره من أشعر الناس؟ قال: “الملك الضليل (امرؤ القيس)”، قيل: ثم من؟ قال: “الغلام القتيل (طرفة)”، قيل: ثم من؟ قال: “الشيخ أبو عقيل (يعني نفسه)”. وكان أقل الشعراء لغوًا في شعره، ولم يصح أنه قال بعد إسلامه إلا بيتًا واحدًا وهو: “ما عاتب المرء الكريم كنفسه… والمرء يصلحه القرين الصالح”.

خبره مع الربيع بن زياد

كانت بين بني عبس وبني عامر عداوة، ووفد الربيع بن زياد العبسي على النعمان بن المنذر وكان النعمان يقدمه وينادمه، وفد العامريون وفيهم لبيد وهو غلام له ذؤابة يحفظ أمتعتهم ويرعى إبلهم. وكان الربيع بن زياد يخلوا بالنعمان ويطعن في بني عامر حتى غيّر الملك رأسه عليهم وجفاهم وقطع نُزلهم. علم لبيد بالأمر وعرض على قومه أن يرتجز بالربيع رجزًا ممضًا يغير رأي الملك فيه، فاختبروه أولاً بطلب شتم “بقلة” فأجاد، فغدوا به إلى النعمان وهو يتغدى ومعه الربيع، فمثل لبيد بين يدي الملك وأنشد رجزه المشهور الذي رمى فيه الربيع بالبرص وأمور مستقبحة. فتنكر النعمان للربيع وطرده من مجلسه وسرحه إلى أهله، وأعاد النعمان حظوة بني عامر وقضى حوائجهم.

حاله في الإسلام

أسلم لبيد وحسن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم. قدم في وفد بني جعفر بن كلاب على رسول الله ﷺ بعد موت أخيه لأمه “أربد بن قيس” (الذي مات بصاعقة)، فأسلم وهاجر، ونزل الكوفة في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولما أرسل عمر إلى المغيرة بن شعبة (وهو على الكوفة) أن يستنشد الشعراء ما قالوا في الإسلام، أرسل المغيرة إلى لبيد، فذهب لبيد وكتب سورة البقرة في صحيفة وأتى بها وقال: “أبدلني الله هذه في الإسلام مكان الشعر”. فكتب المغيرة إلى عمر، فزاد عمر في عطاء لبيد خمسمائة درهم فصار ألفين وخمسمائة. ولما أراد معاوية بعد ذلك نقصها، قال له لبيد: “إنما أنا هامة اليوم أو غد”، فرقّ له معاوية وترك عطاءه، فمات لبيد قبل أن يقبضه.

جوده وكرمه

كان لبيد من الأجواد المشهورين، ونذر في الجاهلية ألا تهب الصبا إلا أطعم الناس، وكان له جفنتان يطعم بهما قومه كل يوم بمسجد الكوفة. وهبت الصبا يومًا والوليد بن عقبة أمير على الكوفة، فخطب الناس وحثهم على إعانة لبيد على وفاء نذره، وأرسل إليه بمائة بكرة وكتب إليه بأبيات شعرية، فأمر لبيد ابنته أن تجيبه، فأجابت الوليد بأبيات حسنة، فقال لها لبيد: “أحسنتِ لولا أنكِ استزدتيه”.

مدة عمره ووفاته ووصيته

يُعد لبيد من الشعراء المعمرين؛ ووصف رسول الله ﷺ قوله: “ألا كل شيء ما خلا الله باطل” بأنه أصدق كلمة قالها شاعر. وعاش لبيد حتى بلغ تسعين سنة ثم مائة وعشر سنين، ثم مائة وعشرين سنة وله في كل مرحلة شعر يشكو فيه الكبر وسؤال الناس عنه، وذكر الإمام مالك بن أنس أنه مات وهو ابن مائة وأربعين سنة، وقيل مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة في أول خلافة معاوية ويوم دخوله الكوفة.

ولما حضرته الوفاة أوصى ابنتيه ألا تخمشا وجهًا ولا تحلقا شعرًا، وأن تبكيانه حولاً كاملاً ثم تسلمان. ووصى ابن أخيه أن يوجهه للقبلة ويسجيه بثوبه، وأن يصنع جفنتيه اللتين كان يصنعهما ويحملهما إلى المسجد ليطعم الناس بعد صلاة الإمام، فإذا طعموا يدعوهم لحضور جنازته، ففعل ابن أخيه ذلك.