شعشعت الشراب: مزجته بالماء. الحص: الورس نبت له نوّار أحمر يشبه الزعفران. ومنهم من جعل سخينًا صفة ومعناه الحار، من سخن يسخُن سخونة، ومنهم من جعلله فعلًا من سخي يسخى سخاءً، وفيه ثلاث لغات: إحداهن ما ذكرنا، والثانية سَخُوَ يسخو، والثالثة سخا يسخو سخاوة. يقول: اسقينيها ممزوجة بالماء كأنها من شدة حمرتها بعد امتزاجها بالماء ألقي فيها نَوْر هذا النبت الأحمر، وإذا خالطها الماء وشربناها وسكرنا جُدنا بعقائل (عقائل المال: ما يمسك ضنّه به) أموالنا وسمحنا بذخائر أعلاقنا (الأعلاق: جمع عِلق وهو النفيس من كل شيء)، هذا إذا جعلنا سخينًا فعلًا، وإذا جعلناه صفة كان المعنى: كأنها حال امتزاجها بالماء وكون الماء حارًّا، نور هذا النبت. ويروى شحينًا, بالشين المعجمة، أي إذا خالطها الماء مملوءة به. والشحن: الملء، والفعل شحن يشحَن، والشحين، بمعنى المشحون كالقتيل بمعنى المقتول، يريد أنها حال امتزاجها بالماء وكون الماء كثيرًا تشبه هذا النَّور.
اللحز: الضيق الصدر. الشحيح: البخيل الحريص، والجمع الأشحة والأشحاء، والشحاح أيضًا مثل الشحيح، والفعل شح يَشح، والمصدر الشح وهو البخل معه حرص. يقول: ترى الإنسان الضيق الصدر البخيل الحريص مهينا لماله، فيها أي في شربها إذا أمرت الخمر عليه، أي إذا أديرت عليه.
يقول: سوف تدركنا مقادير موتنا، وقد قدّرت تلك المقادير لنا وقدرنا لها. المنايا: جمع المنية وهي تقدير الموت.
9
قِفي قَبلَ التَفَرُّقِ يا ظَعينا|نُخَبِّركِ اليَقينا وَتُخبِرينا
شرح الزوزني
أراد يا ظعينة فرخَّم، والظعينة: المرأة في الهودج، سميت بذلك لظعنها مع زوجها، فهي فعيلة بمعنى فاعلة، ثم كثر استعمال هذا الاسم للمرأة حتى يقال لها ظعينة وهي في بيت زوجها. يقول: قفي مطيّتك أيتها الحبيبة الظاعنة نخبرك بما قاسينا بعدك، وتخبرينا بما لاقيت بعدنا.
الصرم: القطيعة. الوشك: السرعة، والوشيك: السريع. الأمين: بمعنى المأمون. يقول: قفي مطيتك نسألك هل أحدثت قطيعة لسرعة الفراق، أم هل خنت حبيبك الذي تؤمن خيانته؟ أي هل دعتك سرعة الفراق إلى القطيعة أو إلى الخيانة في مودة من لا يخونك في مودته إياك؟
الكريهة: من أسماء الحرب، والجمع الكرائه، سميت لأن النفوس تكرهها، وإنما لحقتها التاء لأنها أخرجت مخرج الأسماء مثل: النطيحة والذبيحة، ولم تخرج مخرج النعوت مثل: امرأة قتيل وكف خضيب، ونصب ضربًا وطعنًا على المصدر أي يضرب فيه ضربًا ويطعن فيه طعنًا. قولهم: أقر الله عينك قال الأصمعي: معناه أبرد الله دمعك، أي سَرّك غاية السرور، وزعم أن دمع السرور بارد ودمع الحزن حار، وهو عندهم مأخوذ من القرور وهو الماء البارد، ورد عليه أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب هذا القول وقال: الدمع كلّه حار جلبه فرح أو ترح. وقال أبو عمرو الشيباني: معناه أنام الله عينك وأزال سهرها لأن استيلاء الحزن داعٍ إلى السهر، فالإقرار على قوله إفعال من قر يقر قرارًا، لأن العيون تقرّ في النوم وتطرف في السهر, وحكى ثعلب عن جماعة من الأئمة أن معناه: أعطاه الله مناك ومبتغاك حتى تقر عينك عن الطموح إلى غيره؛ وتحرير المعنى: أرضاك الله؛ لأن المترقب للشيء يطمح ببصره إليه، فإذا ظفر به قرت عينه عن الطموح إليه. يقول: نخبرك بيوم حرب كثير فيه الضرب والطعن، فأقر بنو أعمامك عيونهم في ذلك اليوم، أي فازوا ببغيتهم وظفروا بمناهم من قهر الأعداء.
الكاشح: المضمر العداوة في كشحه (الكشح: ما بين الخاصرة والضلوع)، وخصت العرب الكشح بالعداوة لأنه موضع الكبد، والعداوة عندهم تكون في الكبد، وقيل: بل سمي العدوّ كاشحًا؛ لأنه يكشح عن عدوه أي يعرض عنه فيوليه كشحه، يقال: كشح عنه يكشح كشحًا. يقول: تريك هذه المرأة إذا أتيتها خالية وأمنت عيون أعدائها.
العيطل: الطويلة العنق من النوق. الأدماء: البيضاء منها. والأُدْمة البياض في الإبل، البِكْر: الناقة التي حملت بطنًا واحدًا، ويروى بَكر بفتح الباء، وهو الفتي من الإبل وبكسر الباء أعلى الروايتين؛ ويروى: تربعت الأجارع والمتونا. تربعت: رعت ربيعًا. الأجارع جمع الأجرع وهو المكان الذي فيه جرع، والجرع: جمع جرعة، وهي دعص (الدعص: قطعة من الرمل مستديرة) من الرمل غير منبت شيئًا. المتون: جمع متن وهو الظهر من الأرض. الهجان: الأبيض الخالص البياض، يستوي فيه الواحد والتثنية والجمع، وينعت به الإبل والرجال وغيرهما. لم تقرأ جنينًا أي لم تضم فيه رحمها ولدًا. يقول: تريك ذراعين ممتلئتين لَحْمًا كذراعي ناقة طويلة لم تلد بعد أو رعت أيام الربيع في مثل هذا الموضع، ذكر هذا مبالغة في سمنها، أي ناقة سمينة لم تحمل ولدًا قط، بيضاء اللون.
رخصًا: لينا. حصانًا: عفيفة. يقول: وتريك ثديًا مثل حق (الْحُقّ: وعاء صغير ذو غطاء يتخذ من عاج أو زجاج أو غيرها) من عاج بياضًا واستدارة، محرزة من أكف من يلمسها.
قال القاضي أبو سعيد السيرافي: البعير بمنزلة الإنسان، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والسقب (السقب: ولد الناقة الذكر ساعة يولد) بمنزلة الصبي، والحائل بمنزلة الصبية، والحوار (الحوار: ولد الناقة من وقت ولادته إلى أن يفطم) بمنزلة الولد، والبكر بمنزلة الفتى، والقلوص (القلوص: من الإبل هي الفتية المجتمعة الخلق وذلك من حين تركب إلى السابعة من عمرها) بمنزلة الجارية. الوجد: الحزن، والفعل وجد يجد. الترجيع: ترديد الصوت. الحنين: صوت المتوجع. يقول: فما حزنت حزنًا مثل حزني ناقة أضلت ولدها فرددت صوتها مع توجعها في طلبها، يريد أن حزن الناقة دون حزنه فراق حبيبته.
الشمط: بياض الشعر. الجنين: المستور في القبر هنا. يقول: ولا حزنت كحزني عجوز لم يترك شقاء جَدّها لها من تسعة بنين إلا مدفونًا في قبره، أي ماتوا كلهم ودفنوا، يريد أن حزن العجوز التي فقدت تسعة بنين دون حزنه عند فراق عشيقته.
أعرضت: ظهرت، وعرضت الشيء أظهرته، ومنه قوله عز وجل: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} [الكهف: 100] وهذا من النوادر، عرضت الشيء فأعرض، ومثله كببته فأكب، ولا ثالث لهما فيما سمعنا. اشمخرت: ارتفعت. أصلت السيف: سللته. يقول: فظهرت لنا قرى اليمامة وارتفعت في أعيننا كأسياف بأيدي رجال سالّين سيوفهم، شبه ظهور قراها بظهور أسياف مسلولة من أغمادها.
الراية: العلم، والجمع الرايات والراي. يقول: نخبرك باليقين من أمرنا بأنا نورد أعلامنا الحروب بيضًا، ونرجعها منها حمرًا قد روين من دماء الأبطال. هذا البيت تفسير اليقين من البيت الأول.
يقول: نخبرك بوقائع لنا مشاهير كالغر (الغُرُّ مِنَ الْخَيل: ما كان في جبهته بياض) من الخيل عصينا الملك فيها كراهية أن نطيعه ونتذلل له. الأيام: الوقائع هنا. الغُرّ بمعنى المشاهير كالخيل الغرّ لاشتهارها فيما بين الخيل. قوله: أن ندين، أي كراهية أن ندين، فحذف المضاف، هذا على قول البصريين، وقال الكوفيون: تقديره أن لا ندين، أي لئلا ندين، فحذف لا.
العكوف: الإقامة، والفعل عكف يعكف. الصُّفون: جمع صافن، وقد صفن الفرس يصفن صفونًا إذا قام على ثلاث قوائم وثَنَّى سنبكه الرابع. يقول: قتلناه وحبسنا خيلنا عليه وقد قلّدناها أعنتها في حال صفونها عنده.
القتاد: شجر ذو شوك، والواحدة منها قتادة. التشذيب: نفي الشوك والأغصان الزائدة والليف عن الشجر. يلينا، أي: يقرب منا. يقول: وقد لبسنا الأسلحة حتى أنكرتنا الكلاب وهرّت (هرّت الكلاب: صاتت دون نباح) لإنكارها إيانا، وقد كسرنا شوكة من يقرب منا من أعدائنا، استعار لفَلِّ (فلّ غرب السيف: ثَلَمَ حدّه) الغرب وكسر الشوكة تشذيب القتادة.
30
مَتى نَنقُل إِلى قَومٍ رَحَانا|يَكُونوا في اللِّقاءِ لَها طَحينا
شرح الزوزني
أراد بالرحى: رحى الحرب وهي معظمها. يقول: متى حاربنا قومًا قتلناهم، لما استعار للحرب اسم الرحى استعار لقتلاها اسم الطحين.
الثِّفال: خرقة أو جلدة تبسط تحت الرحى ليقع عليها الدقيق. اللُّهوة القبضة من الحب تلقى في فم الرحى، وقد ألهيت الرحى ألقيت فيها لُهْوَة. يقول: تكون معركتنا الجانب الشرقي في نجد، وتكون قبضتنا قضاعة أجمعين، فاستعار للمعركة اسم الثفال وللقتلى اسم اللهوة ليشاكل الرحى والطحين.
يقول: نزلتم منزلة الأضياف فجعلنا قِراكم كراهية أن تشتمونا ولكي لا تشتمونا، والمعنى: تعرضتم لمعاداتنا كما يتعرض الضيف للقِرى فقتلناكم عجالًا كما يحمد تعجيل قِرى الضيف، ثم قال تهكمًا بهم واستهزاء: أن تشتمونا، أي قريناكم على عجلة كراهية شتمكم إيانا إن أخّرنا قراكم.
المرداة: الصخرة التي يكسر بها الصخور، والمرداة أيضًا الصخرة التي يرمى بها، والردي الرمي والفعل ردى يردي، فاستعار المرداة للحرب. الطَّحون: فعول من الطحن. مرداة طحونًا أي حربًا أهلكتهم أشد إهلاك.
34
نَعُمُّ أُنَاسَنَا وَنَعِفُّ عَنْهُمْ|وَنَحْمِلُ عَنْهُمُ ما حَمَّلُونا
شرح الزوزني
يقول: نَعُمّ عشائرنا بنوالنا وسيبنا (السّيب: المعروف ونحوه)، ونعفّ عن أموالهم ونحمل عنهم ما حملونا من أثقال حقوقهم ومؤنتهم, والله أعلم.
التراخي: البعد. الغشيان: الإتيان. يقول: نطاعن الأبطال ما تباعدوا عنا، أي وقت تباعدهم عنا، ونضربهم بالسيوف إذا أُتينا، أي أتونا، فقربوا منا، يريد أن شأننا طعن من لا تناله سيوفنا.
اللَّدْن: اللين، والجمع لُدن. يقول: نطاعنهم برماح سمر لينة من رماح الرجل الخطيِّ، يريد سمهرًا، أو نضاربهم بسيوف بيض يقطعن ما ضرب بها، توصف الرماح بالسمرة؛ لأن سمرتها دالة على نضجها في منابتها.
الأبطال: جمع بطل وهو الشجاع الذي يبطل دماء أقرانه. الوسوق: جمع وسق وهو حمل بعير. الأماعز: جمع الأمعز وهو المكان الذي تكثر حجارته. يقول: كأن جماجم الشجعان منهم أحمال إبل تسقط في الأماكن الكثيرة الحجارة، شبه رءوسهم في عظمها بأحمال الإبل، والارتماء لازم ومتعد، وهو في البيت لازم.
الحفض: متاع البيت، والجمع أحفاض، والحفض البعير الذي يحمل خرثي (الخرثيّ: الأثاث) البيت، والجمع أحفاض. من روى في البيت: على الأحفاض، أراد بها الأمتعة، ومن روى: عن الأحفاض، أراد بها الإبل. يقول: ونحن إذا قُوِّضت الخيام فخرَّت على أمتعتها، نمنع ونحمي من يقرب منا من جيراننا، أو ونحن إذا سقطت الخيام عن الإبل للإسراع في الهرب نمنع ونحمي جيراننا إذا هرب غيرنا حمينا غيرنا.
المخراق (المخراق: منديل أو نحوه، يلوى فيضرب به أو يفزع به): معروف، والمخراق أيضًا سيف من خشب. يقول: كنا لا نحفل بالضرب بالسيوف كما لا يحفل اللاعبون بالضرب بالمخاريق، أو كنا نضرب بها في سرعة كما يضرب بالمخاريق في سرعة.
يقول: نصبنا خيلًا مثل هذا الجبل، أو كتيبة ذات شوكة (ذات شوكة: ذات قوة أو بأس) محافظة على أحسابنا وسبقنا خصومنا، أي غلبناهم؛ وتحرير المعنى: إذا فزع غيرنا من التقدم أقدمنا مع كتيبة ذات شوكة وغلبنا، وإنما نفعل هذا محافظة على أحسابنا.
حُديَّا: اسم جاء على صيغة التصغير مثل ثريا وحميّا (الْحُمَيّا من كل شيء: شدته وحدته) وهي بمعنى التحدي. يقول: نتحدى الناس كلهم بمثل مجدنا وشرفنا، ونقارع أبناءهم ذابين عن أبنائنا، أي نضاربهم بالسيوف حماية للحريم وذبًّا عن الحوزة.
العصب: جمع عصبة وهي ما بين العشرة والأربعين. الثبة: الجماعة، والجمع الثبات، والثبون في الرفع والثبين في النصب والجر. يقول: فأما يوم نخشى على أبنائنا وحرمنا من الأعداء تصبح خيلنا جماعات، أي تتفرق في كل وجه لذبّ الأعداء عن الْحُرَم.
التضعضع: التكسّر والتذلل، ضعضعته فتضعضع أي كسرته فانكسر. الونى: الفتور. يقول: لا يعلم الأقوام أننا تذلّلنا وانكسرنا وفترنا في الحرب، أي لسنا بهذه الصفة فتعلمنا الأقوام بها.
أي لا يسفهن أحد علينا فنسفه عليهم فوق سفههم، أي نجازيهم بسفههم جزاء يُرْبِي عليه، فسمِّيَ جزاء الجهل جهلًا لازدواج الكلام وحسن تجانس اللفظ، كما قال الله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم} [البقرة: 15] وقال الله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وقال جل ذكره: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] . وقال جل وعلا: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] . سمي جزاء الاستهزاء والسيئة والمكر والخداع استهزاء وسيئة ومكرًا وخداعًا لما ذكرنا.
54
بِأيّ مَشِيئَةٍ عَمْرَو بن هِنْدٍ|نَكُونُ لِقَيْلِكُمْ فِيهَا قَطِينًا
شرح الزوزني
القطين: الخدم. القَيْلُ: الملك دون الملك الأعظم. يقول: كيف تشاء يا عمرو بن هند أن نكون خَدَمًا لِمَن وليتموه أمرنا من الملوك الذين وليتموهم؟ أي: أيّ شيء دعاك إلى هذه المشيئة المحالة؟ يريد أنه لم يظهر منهم ضعف يطمع الملك في إذلالهم باستخدام قيله إياهم.
55
بِأيّ مَشِيئَةٍ عَمْرَو بن هِنْدٍ|تُطِيعُ بِنَا الوُشَاةَ وَتَزْدَرِينَا
شرح الزوزني
ازدراه وازدرى به: قصر به واحتقره. يقول: كيف تشاء أن تطيع الوشاة بنا إليك وتحتقرنا وتقصر بنا؟ أي: أيّ شيء دعاك إلى هذه المشيئة؟ أي لم يظهر منا ضعف يطمع الملك فينا حتى يصغي إلى من يشي بنا إليه ويغريه بنا فيحتقرنا.
القَتْو: خدمة الملوك، والفعل قتا يقتو، والمقتى مصدر كالقتو، تنسب إليه فتقول: مقتويّ، ثم يجمع مع طرح ياء النسبة فيقال مقتوون في الرفع، ومقتوين في الجر والنصب، كما يجمع الأعجمي بطرح ياء النسبة فيقال أعجمون في الرفع، وأعجمين في النصب والجر. يقول: تَرَفّق في تهددنا وإيعادنا ولا تمعن فيهما، فمتى كنا خدمًا لأمك؟ أي: لم نكن خدمًا لها حتى نعبأ بتهديدك ووعديك إيانا، ومن روى: تهددنا وتوعدنا، كان إخبارًا، ثم قال: رويدًا أي دع الوعيد والتهديد وأمهله.
57
فإنّ قَنَاتَنَا يا عَمْرُو أَعْيَتْ|عَلَى الأَعْدَاءِ قَبْلَكَ أَنْ تَلِينَا
شرح الزوزني
العرب تستعير للعز اسم القناة. يقول: فإن قناتنا أبت أن تلين لأعدائنا قبلك، يريد أن عزهم أبى أن يزول بمحاربة أعدائهم ومخاصمتهم ومكايدتهم، يريد أن عزهم منيع لا يرام.
الثقاف: الحديدة التي يقوم بها الرمح، وقد ثقفته: قومته. العشوزنة: الصلبة الشديدة. الزبون: الدّفوع، وأصله من قولهم: زبنت الناقة حالبها، إذا ضربته بثفنات رجليها أي بركبتيها ومنه الزبانية لزبنهم أهل النار، أي لدفعهم. يقول: إذا أخذها الثّقاف لتقويمها نفرت من التقويم، وولت الثقاف قناة صلبة شديدة دفوعًا، جعل القناة التي لا يتهيأ تقويمها مثلًا لعزتهم التي لا تضعضع، وجعل قهرها من تعرض لهدمها كنفار القناة من التقويم والاعتدال.
أرنت: صوتت، والإرنان، هنا لازم وقد يكون متعديًا ثم بالغ في وصف القناة بأنها تصوت إذا أريد تثقيفها, ولم تطاوع الغامز بل تشج قفاه وجبينه، كذلك عزّتهم لا تضعضع لمن رامها بل تهلكه وتقهره.
الدين: القهر، ومنه قوله عز وجل: {فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِين} [الواقعة: 86] أي غير مقهورين. يقول: ورثنا مجد هذا الرجل الشريف من أسلافنا، وقد جعل لنا حصون المجد مباحة قهرًا وعنوة، أي غلب أقرانه على المجد ثم أورثنا مجده ذلك.
ذو البرة: من بني تغلب، سُمّي به لشعر على أنفه يستدير كالحلقة. يقول: وورثت مجد ذي البرة الذي اشتهر وعرف وحُدِّثْتُ عنه أيها المخاطب وبمجده يحمينا سيدنا وبه نحمي الفقراء الملجئين إلى الاستجارة بغيرهم.
يقول: كنا حماة الميمنة إذا لقينا الأعداء وكان إخواننا حماة الميسرة، يصف غناءهم في حرب نزار واليمن عندما قتل كليب وائل لبيد بن عنق الغساني عامل ملك غسان على تغلب حين لطم أخت كليب وكانت تحته.
النِّهاب: الغنائم، الواحد نهب. الأوب: الرجوع، التصفيد: التقييد، يقال: صَفَدْته وَصَفَّدْتُه أي قيدته وأوثقته. يقول: فرجع بنو بكر بالغنائم والسبايا ورجعنا مع الملوك مقيدين، أي اغتنموا الأموال وأسرنا الملوك.
يقول: تنحوا وتباعدوا مُساماتنا ومباراتنا يا بني بكر، ألم تعلموا من نجدتنا وبأسنا اليقين؟ أي قد علمتم ذلك لنا فلا تتعرضوا لنا، يقال: إليك إليك، أي تَنَحَّ.
اليلب: نسيجة من سيور (السيور: ما يقطع من الجلود مستطيلًا كالحبل) تلبس تحت البيض (البيض: جمع بيضة وهي الخوذة). يقول: وكان علينا البيض واليلب اليماني وأسياف يقمن وينحنين لطول الضِّراب بها.
السابغة: الدرع الواسعة التامة. الدِّلاص: البراقة. الغضون: جمع غَضَن وهو التشنج في الشيء. يقول: وكانت علينا كل درع واسعة براقة ترى أيها المخاطب فوق المنطقة لها غضونًا لسعتها وسبوغها.
الغُدْر: مخفّف غُدُر وهو جمع غدير. تصفقه: تضربه، شبه غضون الدرع بمتون الغدران إذا ضربتها الرياح في جريها، والطرائق التي تُرَى في الدروع بالتي تراها في الماء إذا ضربته الريح.
الرَّوع: الفزع ويريد به الحرب هنا. الجرد: التي رق شعر جسدها وقصر، والواحد أجرد والواحدة جرداء. النقائذ: المخلصات من أيدي الأعداء، واحدتها نقيذة وهي فعيلة بمعنى مفعلة، يقال: أنقذتها، أي: خلصتها، فهي منقذة ونقيذة. الفلو والافتلاء: الفطام. يقول: وتحملنا في الحرب خيل رقاق الشعور قصارها، عُرفن لنا وفُطمت عندنا وخلصناها من أيدي أعدائنا بعد استيلائهم عليها.
رجل دارع: عليه درع، ودروع الخيل تجافيفها (التجافيف: هي ما يتجلل به الفرس من سلاح وآلة يقيانه الجراح في الحرب). الرصائع: جمع الرصيعة وهي عقدة العنان على قذال (القتال: معقد سيري الفرس فوق القفا) الفرس. يقول: وردت خيلنا وعليها تجافيفها، وخرجن منها شعثًا قد بلين بِلَى عُقَد الأعنة لما نالها من الكلال والمشاق فيها.
يقول: على آثارنا في الحروب نساء بيض حسان نحاذر عليها أن يسبيها الأعداء فتقسمها وتهينها، كانت العرب تشهد نساءها الحروب وتقيمها خلف الرجال ليقاتل الرجال ذبًّا عن حرمها فلا تفشل مخافة العار بسبي الحرم.
يقول: قد عاهدن أزواجهن إذا قاتلوا كتائب من الأعداء قد أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها في الحروب أن يثبتوا في حومة القتال ولا يفروا، والبعول والبعولة جمع بعل، يقال للرجل: هو بعل المرأة، وللمرأة هي بَعْلَه وَبَعْلَتُه، كما يقال: هو زوجها وهي زوجه وزوجته.
الهوينى: تصغير الهونى وهي تأنيث الأهون، مثل الأكبر والكبرى. يقول: إذا مشين يمشين مشيًا رفيقًا لثقل أردافهن وكثرة لحومهن، ثم شبههن في تبخترهن بالسكارى في مشيهم.
الميسم: الحسن وهو من الوسام والوسامة وهما الحسن والجمال، والفعل وسم يوسم، والنعت وسيم. الحسب: ما يحسب من مكارم الإنسان ومكارم أسلافه، فهو فعل في معنى مفعول مثل النفض (النفض: ما تحاتَّ من ورق الشجر عند نفضه) والخبط (الخبط: ما تحاتّ من ورق الشجر عند خبطه) والقبض (القبض: ما جُمع من الغنائم بعد قبضه من أصحابه) واللقط (اللقط: قطع الذهب الملتقطة) في معنى المنفوض والمخبوط والمقبوض والملقوط، فالحسب إذن في معنى المحسوب من مكارم آبائه. يقول: هن نساء من هذه القبيلة جمعن إلى الجمال الكرم والدين.
الْخَسْف: والْخُسْف: بفتح الخاء وضمها: الذل. السَّوم: أن تجشّم إنسانًا مشقة وشرًّا، يقال: سامه خسفًا، أي حمله وكلفه ما فيه ذل. يقول: إذا أكره الملك الناس على ما فيه ذلهم أبينا الانقياد له.