يا دارَ مَيَّةَ بِالعَلْياءِ فَالسَّنَدِ|أَقْوَتْ، وَطَالَ عَلَيْهَا سالِفُ الأَبَدِ
يتوجع الشاعر على ديار محبوبته (مية) التي خلت من أهلها وأصبحت موحشة بعد أن مرّ عليها زمن طويل.
العلياء: مكان مرتفع من الأرض، قال ابن السكيت: قال (بالعلياء) فجاء بالياء لأنه بناها على عليت، والسند: سند الوادي في الجبل، وهو ارتفاعه حيث يسند فيه أي يصعد، وأقوت: خلت من أهلها، والسالف: الماضي، والأبد: الدهر.
يذكر وقوفه الطويل في هذه الديار وقت العشيّ ليسائلها عن أهلها، لكنها عجزت عن جوابه لخلوّها تماماً من السكان.
ويروى: (وقفت فيها طويلا كي أسائلها) ويروى (أصيلانا) و (أصيلالا) فمن روى أصيلا أراد عشيا، ومن روى طويلا جاز أن يكون معناه وقوفا طويلا، ويجوز أن يكون معناه وقتا طويلا، ومن روى (أُصيلانا) ففيه قولان؛ أحدهما: إنه تصغير أُصلان، وأُصلان: جمع أصيل، كما يقال: زَغِيف ورُغْفَان؛ والقول الآخر: إنه بمنزلة قولهم على الله التُّكلان، وبمنزلة قولهم غُفْران، وهذا القول الصحيح، والأول خطأ؛ لأن أُصلاناً لا يجوز أن يصغر، إلا أن يُرد إلى أقل العدد، وهو حكم كل جمع كثير، وقوله (عيت) يقال: عييت بالأمر؛ إذا لم تعرف وجهه، وقوله (جوابا) منصوب على المصدر، أي عيت أن تجيب، (وما بها من أحد) ومِن: زائدة.
لم يبقَ في الديار ما يُستدل به إلا بقايا أوتاد ربط الخيل التي لا تكاد تبين إلا بعد بطء، والخنادق الترابية حول الخيام الملتفة في الأرض الصلبة.
ويروى (إلاّ أَوارِيُّ) والنصب أجود، والأواريّ والأواخيّ واحد، وهي التي تحبس بها الخيل، والَّلأْي: البُطْء، يقال: الْتَأَتْ عليه حَاجَتُه، والمعنى بَعْدَ بطء أسْتَبِينها، والنؤى: حاجز من تراب يعمل حول البيت والخيمة، لئلا يصل إليها الماء، وأصل الظُّلم وضع الشيء في غير موضعه، فالمظلومة: الأرض التي قد حفر فيها في غير موضع الحفر، والجلد: الأرض الغليظة الصلبة من غير حجارة، وإنما قصد إلى الجلد لأن الحفر فيها يصعب، فيكون ذلك أشبه شيء بالنؤى.
4
رُدَّتْ عَلَيْهِ أَقاصِيهِ وَلَبَّدَهُ|ضَرْبُ الوَلِيدَةِ بِالمِسْحاةِ في الثَّأَدِ
ويروى (رُدَّت عليه أقاصيه) وهذه الرواية أجود؛ لأنه إذا قال (رُدَّت عليه أقاصيه) فأقاصيه في موضع رفع، فأسكن الياء؛ لأن الضمة فيها ثقيلة، وإذا روى ردت فأقاصيه في موضع نصب، والفتحة لا تستثقل، فكان يجب أن تفتح الياء، إلا إنه يجوز إسكانها في الضرورة، لأنه يسكن في الرفع والخفض، فأجرى النصب مجراهما، وأيضا فإنه إذا روى (رَدَّت) فقد أضمر ما لم يجر ذكره، أراد رَدَّت عليه الأمة، إلا أن هذا جائز كثير إذا عُرف معناه، وأقاصيه: ما شَذَّ منه، ولبده: سكنه، أي سكنه حفر الوليدة، والثأد: الموضع الندى التراب.
5
خَلَّتْ سَبِيلَ أَتيٍّ كَانَ يَحْبِسُهُ|وَرَفَّعَتْهُ إلى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ
يتابع وصف الديار وكيف انفسح مسيل الماء الصغير فيها، فارتفع واندفع حتى بلغ ستور البيوت ومتاعها المنضود.
الأتى: النهر الصغير، أي خلت الأمة سبيل الماء في الأتي تحفرها، ورفعته: ليس يريد به علت، وإنما معناه قدَّمته وبلغت به، كما تقول: ارتفع القوم إلى السلطان، والسجفان: ستران رقيقان يكونان في مُقدَّم البيت، والنضد: ما نُضد من متاع البيت.
أصبحت الديار خالية تماماً بعد أن ارتحل عنها أهلها، وأفسدها وصيّرها إلى الخراب ما أفسد الأمم الماضية (أو لبد آخر نسور لقمان).
قوله (وأضحى أهلها احتملوا) أراد قد احتملوا، و (اخنى) فيه قولان؛ أحدهما: أن المعنى أتى عليها، والقول الآخر - وهو الجيد -: أن المعنى أفسد؛ لأن الخنا الفساد والنقصان.
يدعو الشاعر نفسه إلى تجاوز هذه الديار الخربة التي لا رجوع لأيامها، والرحيل عنها بربط أخشاب الرحل على ناقة قوية صلبة موثقة الخلق.
فعدِّ عمَّا ترى: أي جُزه وانصرف عنه، إذ كان لا رجوع له، يعني ما ترى من خراب الدور، والقتود: خشب الرحل، وهو للجمع الكثير، وفي القليل أقتاد، وحكى بعض أهل اللغة أن الواحد قتد، والعيرانة: المشبهة بالعير لصلابة خُفها وشدته، والأجد: التي عظم فقارها، وقالوا: هي الموثقة الخلق.
يصف ناقته بأنها مكتنزة باللحم المتداخل، وهي كبيرة قوية، ولأنيابها صوت صريف قوي يشبه صوت التفاف حبال المسد حول الخشب عند الساقية.
مقذوفة: أي مرمية باللحم، والدَّخيس والدِّخاس: الذي قد دخل بعضه في بعض من كثرته، والنحض: اللحم، وهو جمع نحضة، والبازل: الكبير، والصريف: الصياح، والصريف من الإناث من شدة الإعياء، ومن الذكور من النشاط، والقعو: ما يضم البكرة إذا كان خشبا، فإذا كان حديدا فهو خُطَّاف، ويروى (له صَرِيفٌ صَرِيفُ القعو) على البدل، والنصب أجود.
يُشبه حال رحله وناقته في وقت انتصاف النهار بموضع كثر فيه الثمام، بحال ثور وحشي منفرد ينظر متوجساً ومستبصراً من حوله.
زال النهار بنا: معناه انتصف، و (بنا) بمعنى علينا، والجليل: الثُّمام، أي بموضع فيه ثُمام، والمُستأنس: الناظر بعينه، ومنه (إني آنست نارا) أي أبصرت، ومنه قيل (إنسان) لأنه مرئي، ويروى (على مُستوجس) وهو الذي قد أوجس في نفسه الفزع فهو ينظر.
هذا الثور من وحش منطقة (وجرة) المتميزة بكثرة وحشها، وهو ضامر البطن، ملون الأطراف، يلمع بياضه كالسيف الصقيل الذي لا نظير له.
خَصَّ وحش وجرة لأنها فلاة، يقال: أن فيها ستين ميلا، والوحش يكثر بها، ويقال: إنها قليلة الشرب فيها، والموشي: الذي فيه ألوان مختلفة، وقوله (طاوى المصير) أي ضامره، والمصير: المعا، وجمعه مصران، وجمع مصران مصارين، وقوله (كسيف الصيقل) أي هو يلمع، وقوله (الفرد) أي ليس له نظير.
فزع الثور ذعراً من أصوات كلاب الصيد، فبات ليلته قائماً يصارع الخوف والبرد الشديد في حالٍ تسرّ الشامتين به.
ارتاع: فزع، وقوله (له) الهاء في له عائدة على الكلاب، وإن شئت على الصوت، قال الأصمعي: المعنى فبات له [ما] أطاع شوامته من الخوف، وقال أبو عبيدة: المعنى فبات له ما يُسر الشوامت، ويروى (طوع الشوامت) ومن يروى هذه الرواية فالشوامت عنده القوائم، يقال: للقوائم: شوامت، الواحدة شامتة، أي فبات يطوع للشوامت، أي ينقاد لها أي فبات قائما.
أرسل صاحب الكلاب كلابه مفرقة عليه، فمضى الثور مستعيناً بقوائمه الضامرة الصلبة السليمة من أي عيب أو استرخاء عصب.
بثهن: فرقهن، والصُّمع: الضوامر، الواحدة صمعاء، واستمر به: أي استمرت به قوائمه، والكعوب: جمع كعب وهو المفصل من العظام, وكل مفصل من العظام كعب عند العرب، وأصل الحرد استرخاء عصب في يد البعير من شدة العقال، وربما كان خلقة، وإذا كان به نفض يديه وضرب بهما الأرض ضربا شديدا.
ينتقل الشاعر لبيان الغرض فيقول: إن ناقته هذه التي تشبه هذا الثور في قوتها ستبلغه إلى الملك النعمان الذي له الفضل على الناس قريبهم وبعيدهم.
فتلك: يعني ناقته التي شبَّهها بهذا الثور، و (البعد) قيل: إنه مصدر يستوي فيه لفظ الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وقيل: إنه جمع باعد كما يقال خادم وخدم، ومعنى (في الأدنى وفي البعد) كمعنى القريب والبعيد، ومن روى (البُعُد) فهو جمع بعيد.
يؤكد الشاعر أنه لا يرى في الناس أحداً يشبه الملك النعمان في فعل الخير، وهو في هذا المدح والفضل لا يستثني أحداً من الأقوام.
المعنى: ولا أرى فاعلا يفعل الخير يشبهه، ومعنى (وما أحاشي) وما أستثنى، كما تقول: حاشى فلانا، وإن شئت خفضت، إلا أن النصب أجود؛ لأنه قد اشتق منه فعل، وحذف منه كما يحذف من الفعل، قال الله عز وجل: (قُلْنَ حَاشَ للهِ) و (من) زائدة في قوله (من أحد).
يستثني من ملوك البشر النبي سليمان عليه السلام حين أمره الله بالقيام في الخلق ومنعهم من الخطأ والظلم.
(إلا سليمان) في موضع نصب على البدل من موضع أحد، وإن شئت على الاستثناء، ويروى (إذ قال المليك له) ويروى (فازجرها على الفند)، والحد: المنع، والفند: الخطأ.
يمدح النعمان بأنه لا مثيل له إلا من كان يساويه في حاله، أو من سبق النعمان غيره في الفضل كسبق الفرس الجواد الذي يغلب عند نهاية الغاية.
قوله (أو من أنت سابقه) أي لمثلك في حالك أو لمن فضلك عليه كفضل السابق على المُصلي أي ليس بينك وبينه في الفضل والشرف إلا يسير، استولى عليه: إذا غلب عليه، والأمد: الغاية.
يطلب الشاعر من الملك أن يحكم في أمره بحكمة بالغة تشبه حكمة وفراسة (فتاة الحي) التي أصابت في قولها، وألا يقبل كلام من سعى به عنده.
أي كن حكيما كفتاة الحي إذ أصابت وجعلت الشيء في موضعه، وهي لم تحكم بشيء، إنما قالت قولا فأصابت فيه، ومعناه كُن في أمري حكيما، ولا تقبل ممن سعى بي، والثمد: الماء القليل.
يذكر قصة الفتاة التي تمنت أن يكون سرب الحمام المتجه للماء لها مع حمامتها، شريطة أن يكون نصف السرب معها ليتم لها مرادها.
يروى (الخمامَ) و (الحمامُ) وكذلك نصفَه ونصفُه، فإذا نصبته تكون ما زائدة، وإذا رفعته تكون كافة لليت عن العمل، ويصير ما بعدها مبتدأ وخبرًا، كما تقول: إنما زيدٌ منطلق، وقَدِ: بمعنى حسب.
يصف طيران الحمام المتكاثف بين جانبي أعلى الجبل، واصفاً عين الفتاة (زرقاء اليمامة) بأنها صافية تلمع كالزجاجة ولم تصب برمد.
يحفُّه: يكون في ناحيته، والنِّيق: أعلى الجبل، قال الأصمعي: إذا كان الحمام بين جانبي نيق كان أشد لعدده؛ لأنه يتكاثف ويكون بعضه فوق بعض، وإذا كان في موضع واسع كان أسهل لعدده، ووصف أنها قد أسرعت، قال أبو عبيدة: وهي عين اليمامة، وزرقاء اليمامة، وقوله (مثل الزجاجة) يعني عينها، ولم تكحل من الرمد: أي لم ترمد فتكحل.
فحسب القوم الحمام فوجدوه تماماً كما ظنت وحسبت؛ ستة وستين حمامة، ومع حمامتها ونصف السرب صار المجموع مائة دون زيادة أو نقصان.
ويروى (كما زعمت) وألفوه: وجدوه، وكان الحمام الذي رأته ستة وستين، ولها حمامة في بيتها، فلما عدَّت الحمام الذي رأته قالت: لَيْتَ الحَمامَ لِيَهْ ... إلى حَمامَتِيَهْ وَنِصْفَهُ قَدِيَهْ ... تمَّ الحَمامُ مِيَهْ وقولها (إلى حمامتيه) أي مع حمامتيه؛ فيكون سبعة وستين، ونصف ما رأته ثلاثة وثلاثون، فيكون مائة كما قالت.
فكمل العدد مائة بضم حمامتها، ويوصف تعجب القوم من سرعة وبراعة حساب الفتاة وإصابتها في تقدير ذلك العدد من المرة الأولى.
قال الأصمعي: الحسبة: الجهة التي يحسب منها، وهي مثل اللبسة والجلسة، فقال: أسرعت أخذا في تلك الجهة، ويقال: ما أسرع حسبته، أي حسابه، والحسبة: المرة الواحدة.
32
أَعْطَى لِفارِهَةٍ حُلْوٍ تَوابِعُها|مِنَ المَواهِبِ لا تُعْطَى عَلَى نَكَدِ
يمدح النعمان بأنه واهب العطايا والمواهب الجزيلة للنوق الفارهة الحسان، وعطاؤه متبوع بالخير والسهولة لا نكد فيه ولا حسد.
أي لا أرى فاعلا في الناس يشبهه أعطى لفارهة، ويروى (على حسد) ويروى (حلوٌ توابعها) على الابتداء والخبر، والمبتدأ والخبر في موضع جر.
هو الملك الذي يهب المئات من الإبل الفتية الضخمة التي سمنت وطاب لبنها من رعي نبت السعدان بموضع (توضح) وتلبّد وبرها.
ويروى (المائة الجرجور) والجرجور: الضخام، ويكون للواحد والجمع على لفظ واحد، والسَّعدان: نبت تسمن عليه الإبل وتغزر ألبانها ويطيب لحمها، وتُوضح: اسم موضع، ومن روى (يوضح) بالياء فإنه يذهب إلى أن معناه يبين، وهو فعل، واللبد: ما تلبَّد من الوبر، الواحدة لبدة، ويروى (في الأوبار ذي اللبد).
ويهب الخيل السريعة التي تجري بحدة ونشاط في أعنتها، مسرعة كطير ينجو من سحابة مطر شديدة القطر فيها بَرَد.
ويروى (تنزع) وتمزع: تمر مرا سريعا، ويروى (رهوا) والرهو: الساكن، وغرباً: أي حدة، والشؤبؤب: السحاب العظيم القطر القليل العرض، الواحدة شُؤبوبة، قيل، ولا يقال لها شؤبوبة حتى يكون فيها برد.
ويهب النوق الأدم الذليلة المطيعة، متباعدة المراففق عن الجنب لشدة قوتها، مشدودة برحال جديدة مصنوعة في الحيرة.
الأدم: النوق، وخُيِّست: ذُلّلت، ويقال: جُدُد وجُدَد، والضم أجود لأنه الأصل، ولئلا يُشكل بجمع جُدَّة، ومن قال جُدَد في جمع جَديد أبدل من الضمة فتحة لخفة الفتحة.
ويقسم برب البيت الذي يؤمّن الطير العائذ بحرمه، حيث يمسحها ركبان مكة تبركاً في المواضع والشعاب المحيطة بها.
العائذات: ما عاذ بالبيت من الطير، وروى أبو عبيدة (بين الغيل والسَّعَدِ) بكسر الغين وقال: هما أجمتان كانتا بين مكة ومنى، وأنكر الأصمعي هذه الرواية، وقال: إنما الغِيل بكسر الغين الغيضة، والغَيْل بفتح الغين: الماء، وإنما يعني النابغة ما كان يخرج من أبي قُبيس.
يطلب من الملك الرفق والتمهل، مفتدياً إياه بالأقوام كلهم وبما يملك الشاعر ويجمعه من مال وولد.
أثمر: اجمع، ويروى (فداء) على المصدر، والمعنى الأقوام كلهم يفدونك فداء، ويروى (فداء) بمعنى ليفدك، فبناه كما بنى الأمر نحو دَرَاكِ وتَرَاكِ لأنه بمعنى أدرك واترك.
43
لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفاءَ لَهُ|وَلَوْ تَأَثَّفَكَ الأَعْداءُ بِالرَّفَدِ
يرجوه ألا يعاقبه بعقوبة شديدة لا طاقة له بها ولا مثيل لها، حتى لو اجتمع الأعداء واحتوشوه بالوشاية وتعاونوا عليه عنده.
الكِفَاء: المثل، وثأثفك الأعداء: احتوشوك فصاروا منك موضع الأثافي من القدر، ومعنى (بالرفد) أي يتعاونون علىَّ ويسعون بي عندك.
يظل الملاح في هذا النهر خائفاً متمسكاً بالمردى أو السكان بعد شدة التعب والإعياء والعرق الناتجة عن هول النهر وجريه.
وروى أبو عبيدة (بالخيسفوجة من جهد ومن رعد) والخيزرانة: كل ما ثُنى، والنجد: العرق من الكرب، وقالوا: أراد بالخيزرانة المردى و (الخيسفوجة) قيل: هو السكان والأين: الإعياء.
يؤكد الشاعر أن الفرات في شدة فيضانه ليس بأجود من سيب وعطاء النعمان، فعطاء الملك مستمر لا يمنعه بذل اليوم من البذل في الغد.
السَّيب: العطاء، والنافلة: الزيادة، ومعنى (ولا يجول عطاء اليوم دون غد) أن أعطى اليوم لم يمنعه ذلك أن يُعطى في الغد، وأضاف إلى الظرف على السعة؛ لأنه ليس حق الظروف أن يضاف إليها، ويروى (يوما بأطيب منه).
هذا هو ثنائي ومدحي لك، فإن سمعت قولي فإني لم أعرض بطلب العطاء مكافأة، وإنما قيل "أبيت اللعن" تنزيهاً لك عن كل ما تُلعن عليه.
ويروى: (فإن تَسْمَعْ به حسنا ... فلم أعَرِّضْ أبيتَ اللّعْنَ بالصَّفَد) الصفد: العطاء، قال الأصمعي: لا يكون الصفد ابتداء، إنما يكون بمنزلة المكافأة، يقال: أصفدته أصفدة إصفادا؛ إذا أعطيته، والاسم الصفد، وصفدته أصفده صفداً وصفاداً؛ والاسم أيضا الصفد، ومعنى (أبيت اللعن) أي أبيت أن تأتي شيئا تُلعن عليه.
يختم بأن هذه القصيدة هي عذره وحجته البالغة، فإن لم تنفعه عند الملك، فإن صاحبها قد ضل في البلاد وتاه هائماً على وجهه من شدة النكد والخوف.
ويروى (فإن صاحبها مشارك النكد) تا: بمعنى هذه، ويروى (إن ذي عذرة)، ويروى (إنها عذرة) وعِذْرَة وعُذْرى ومَعْذُرَة واحد، ومعنى انها عذرة أي أن هذه القصيدة عُذْر، أي ذات عذر.