لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ ببُرقَةِ ثَهْمَدِ|تَلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظاهر اليَدِ
يتذكر الشاعر أطلال ديار محبوبته "خولة" في موضع يُدعى (برقة ثهمد)، ويشبه بقايا آثار ديارها الواضحة ببقايا الوشم الأخضر على ظهر كف اليد.
خولة: اسم امرأة كلبية. الطلل: ما شخص من رسوم الدار. البرقة: مكان اختلط ترابه بحجارة أو حصى. ثهمد: موضع. تلوح: تلمع. الوشم: غرز ظاهر اليد بإبرة وحشوها بالكحل. يقول: لهذه المرأة أطلال ديار بالموضع الذي يخالط أرضه حجارة وحصى من ثهمد، فتلمع تلك الأطلال لمعان بقايا الوشم في ظاهر الكف، شبه لمعان آثار ديارها بـالوشم.
2
وُقوفًا بها صحبي على مَطِيِّهُمْ|يَقولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلّدِ
لقد وقف أصحابه بركابهم في هذه الديار يواسونه، ويطلبون منه ألا يهلك نفسه من الحزن والأسى، وأن يتصبر ويتجلد على فراق أحبابه.
تفسير البيت هنا كتفسيره في قصيدة امرئ القيس. التجلد: تكلّف الجلادة وهو التصبر.
3
كأنَّ حُدوجَ المالِكِيّةِ غُدْوَةً|خَلايا سَفينٍ بالنَّوَاصِفِ من دَدِ
يشبه الشاعر الإبل التي تحمل هوادج محبوبته المالكية وقت رحيلها في الصباح الباكر، بالسفن العظيمة الكبيرة التي تسير في أودية موضع يُدعى "دد".
الْحِدج: مركب من مراكب النساء. المالكية: منسوبة إلى بني مالك قبيلة من كلب. الخلايا: جمع الخلية وهي السفينة العظيمة. السفين: جمع سفينة. النواصف: أماكن تتسع من نواحي الأودية. دد: قيل هو اسم واد وقيل بمعنى اللهو واللعب. يقول: كأن مراكب العشيقة المالكية غدوة فراقها بنواحي وادي دد سفن عظام، شبه الإبل وعليها الهوادج بالسفن العظام.
4
عَدَوليَّةٌ أو مِنْ سَفِينِ ابن يَامِنٍ|يَجُورُ به الملاح طورًا ويهتدي
يتابع وصف تلك السفن (التي تشبه الإبل) بأنها من سفن قبيلة "عدولي" أو رجل يُدعى "ابن يامن" لعظمها، ويميل بها الملاح تارة ويهتدي تارة أخرى، مثل حُداة الإبل الذين يميلون بها لتعديل مسارها واختصار الطريق.
عدولي: قبيلة من أهل البحرين، وابن يامن: رجل من أهلها. الْجَور: العدول عن الطريق. الطور: التَّارة. يقول: هذه السفن التي تشبهها هذه الإبل من هذه القبيلة أو من سفن هذا الرجل، والملاح يجريها مرة على استواء وتارة يميلها، وكذلك الحداة تارة يسوقون الإبل على الطريق وتارة يميلونها ليختصروا المسافة.
يشبه الشاعر مقدمة السَّفينة (الحيزوم) وهي تشق أمواج الماء، بيد اللاعب بالتراب (المفايل) الذي يشق كومة التراب بيديه ليقسمها نصفين أثناء لعبه.
حباب الماء: أمواجه. الحيزوم: الصدر. الترب: التراب. الفيال: ضرب من اللعب وهو أن يجمع التراب فيدفن فيه شيء ثم يقسم التراب نصفين ويسأل عن الدفين. شبه شق السفن الماء بشق المفايل التراب المجموع بيده.
يذكر الشاعر أن في الحي حبيبًا يشبه غزالًا رقيقًا في كحل عينيه وسمرة شفتيه، وهو يمد عنقه لينفض ثمر الأراك، وقد تزين هذا الحبيب بعقدين من اللؤلؤ والزبرجد.
الأحوى: الذي في شفتيه سمرة، أو ظبي في لونه حُوّة (حمرة تضرب إلى السواد). الشادن: الغزال الذي قوي واستغنى عن أمه. المظاهر: الذي لبس عقدًا فوق عقد. السمط: الخيط الذي نظمت فيه الجواهر. يقول: وفي الحي حبيب يشبه ظبيًا أحوى في كحل العينين وسمرة الشفتين في حال نفض الظبي ثمر الأراك؛ لأنه يمد عنقه، وقد لبس عقدين من لؤلؤ وزبرجد.
يصف تلك الظبية (المشبه بها الحبيب) بأنها تركت ولدها وذهبت مع قطيع من الظباء ترعى في أرض ذات شجر ناعم، وتمد عنقها الطويل لتتناول أطراف ثمر الأراك البالغ.
خذول: خذلت أولادها. تراعي ربربًا: ترعى معه، والربرب هو القطيع من الظباء. الخميلة: أرض ذات شجر أو رملة منبتة. البررير: ثمر الأراك المدرك. يقول: هذه الظبية التي يشبهها الحبيب خذلت أولادها وذهبت مع صواحبها ترعى في أرض ذات شجر، تتناول أطراف الأراك وترتدي بأغصانه، وخص تلك الحال لمدها عنقها، شبه طول عنق الحبيب وحسنه بذلك.
8
وَتَبْسِمُ عن أَلْمَى كأنّ مُنَوّرًا|تَخَلّلَ حُرّ الرّمْلِ دِعْصٍ له نَدِ
تبسم المحبوبة عن ثغر ذي شفتين سمراوين وأسنان ناصعة البياض، كأنها زهر الأقحوان الأبيض الذي نبت في رمل خالص نديّ، مما يزيده نضارة وبريقًا.
الألمى: الذي يضرب لون شفتيه إلى السواد. منورًا: أقحوانًا منورًا. حر الشيء: خالصه. الدعص: الكثيب من الرمل. الندى: دون الابتلال. يقول: وتبسم الحبيبة عن ثغر ألمى الشفتين كأنه أقحوان خرج نَوره في دعص نَدٍ بين رمل خالص، وجعله نديًّا ليكون الأقحوان غضًّا ناضرًا، شبه به ثغرها.
يصف أسنانها بأن شعاع الشمس أعارها ضياءه ولمعانه، ما عدا لثاتها التي زينتها بذر الكحل (الإثمد) ليزيد من شدة بريق الأسنان وبيضاها، وهي أسنان سليمة لم يعض بها شيء يؤثر فيها.
إياة الشمس: شعاعها. اللثة: مغرز الأسنان. الإسفاف: ذر الشيء. الإثمد: الكحل. الكدم: العض. يقول في وصف ثغرها: كأن الشمس أعارته ضوءها، واستثنى اللثات لأن بريقها لا يستحب، بل ذُرّ الإثمد عليها (لتشتد لمعان الأسنان)، ولم تعض بأسنانها على شيء يؤثر فيها.
يصف وجه المحبوبة بأنه مشرق كأن الشمس كسته من ضيائها وجمالها، وهو وجه نقي البشرة وصافٍ، مسترسل غير متشنج ولا متجعد.
التخدد: التشنج والتغضن. يقول: وتبسم عن وجه كأن الشمس كسته ضياءها وجمالها، فاستعار لضياء الشمس اسم الرداء، وذكر أن وجهها نقي اللون غير متشنج ولا متغضن، فوصفه بكمال الضياء والنقاء والنضارة.
يقول الشاعر: إنه إذا حضره الهم والضيق، يدفعه وينساه بركوب ناقة قوية سريعة (مرقال)، تواصل السير بنشاط ليلًا ونهارًا.
الاحتضار: الحضور. العوجاء: الناقة التي لا تستقيم في سيرها لفرط نشاطها. المرقال: مبالغة من الإرقال وهو بين السير والعدو. يقول: إني لأمضي همي وأنفذ إرادتي عند حضورها بناقة نشيطة تخب وتذمل في رواحها واغتدائها، وتصل سير الليل بسير النهار.
ناقتها قوية كالجمل، مكتنزة اللحم صلبة، وتعدو بسير سريع يشبه عدو نعامة (سفنجة) تعرض لظليم (ذكر النعام) قليل الريش ورمادي اللون.
الجمالية: الناقة الشبيهة بالجمل في وثاقة الخلق. الوجناء: المكتنزة اللحم. الرديان: العدو. السفنجة: النعامة. تبري: تعرض. الأزعر: القليل الشعر. الأربد: ما كان بلون الرماد. يقول: أمضي همي بناقة مكتنزة اللحم تعدو كأنها نعامة تعرض لظليم قليل الشعر يضرب لونه إلى الرماد، شبه عدوها بعدو النعامة.
14
تُبارِي عِتاقًا ناجِيَاتٍ وأَتْبَعَتْ|وَظيفًا وَظيفًا فوق مَورٍ مُعَبَّدِ
هذه الناقة تسابق النوق الكرام المسرعات، وتضع رجلها في موضع يدها من سرعة السير، فوق طريق مذلل ممهد من كثرة السلوك عليه.
باريت: فعلت مثل فعله مغالبًا. العتاق: الكرام. الناجيات: المسرعات. الوظيف: ما بين الرسغ إلى الركبة. المور: الطريق. المعبد: المذلل. يقول: هي تباري إبلًا كرامًا مسرعات، وتتبع وظيف رجلها وظيف يدها فوق طريق مذلل بالسلوك والوطء بالأقدام والمناسم.
15
تَرَبّعَتِ القُفّينِ في الشّوْلِ تَرْتَعِي|حَدائِقَ مَوليّ الأسِرّةِ أغْيَدِ
رعت هذه الناقة في أيام الربيع بأرض صلبة مرتفعة بين نوق قوية، تأكل من بساتين وادٍ خصب ناعم التربة أصابه مطر غزير، فصارت وافرة اللحم والشحم.
التربع: رعي الربيع. القف: ما غلظ من الأرض وارتفع. الشول: النوق التي جفت ضروعها وقلّ ألبانها. الحدائق: اليروض المرتفعة الأطراف المنخفضة الوسط. المولي: الذي أصابه المطر الثاني (الولي). أسرة الوادي: خيره وأفضله كلأ. الأغيد: الناعم الخلق. يقول: رعت هذه الناقة أيام الربيع كلأ القفين بين نوق جفت ضروعها، ترعى حدائق وادٍ قد مطرت أسرته وهو ناعم التربة، ليكون ذلك أوفر للحمها وأشد لسمنها.
16
تَرِيعُ إلى صَوْتِ الْمُهيبِ وَتَتّقِي|بذي خُصَلٍ رَوْعاتِ أكلَفَ مُلبدِ
هي ناقة ذكية ترجع وتنقاد لصوت راعيها، وتمنع بذنبها الكثيف الشعر فحل الإبل القوي من الاقتراب منها، لتبدو دائمًا وافرة اللحم وقوية على السير.
الريع: الرجوع. الإهابة: دعاء الإبل. بذي خصل: بذنب ذي خصل (قطعة من الشعر). الروع: الإفزاع. الأكلف: الذي يضرب إلى السواد. الملبد: ذو وبر متلبد من البول والثلط. يقول: هي ذكية القلب ترجع إلى راعيها وتجعل ذنبها حاجزًا بينها وبين فحل أكلف متلبد الوبر لئلا تمكنه من ضرابها، فإذا لم تلقح كانت مجتمعة القوى وافرة اللحم قوية على السير.
17
كأنّ جَناحَي مَضْرَحيٍّ تَكَنّفَا|حِفافيهِ شُكَّا في العَسيبِ بِمَسْرَدِ
يشبه شعر ذنبها الكثيف على جانبي عظم الذنب بجناحي نسر أبيض عظيم غُرِزا بإشفى (مثقب) على جانبي ذنبها لسرعة حركته وبياضه.
المضرحي: الأبيض من النسور أو العظيم منها. التكنف: النواحي. الحفاف: الجانب. الشك: الغرز. العسيب: عظم الذنب. المسرد: الإشفى (المثقب). يقول: كأن جناحي نسر أبيض غرزا بإشفى في عظم ذنبها فصارا في ناحيتيه، شبه شعر ذنبها بجناحي نسر أبيض.
تضرب الناقة بذنبها تارة وراء الراكب الرديف من شدة نشاطها, وتارة تضرب به ضروعها المتشنجة الجافة التي انقطع لبنها فصارت كالقربة البالية.
الزميل: الرديف. الحشف: الأخلاف التي جف لبنها فتشنجت. الشن: القربة الخَلِق البالية. الذوي: الذبول. المجدد: الذي قطع لبنه. يقول: تارة تضرب هذه الناقة بذنبها على عجزها خلف رديف راكبها، وتارة تضرب على أخلاف متشنجة خلقة كقربة بالية قد انقطع لبنها.
19
لها فَخِذَانٍ أُكْمِلَ النّحْضُ فيهما|كَأَنَّهما بابا مُنيفٍ مُمَرَّدِ
لهذه الناقة فخذان ممتلئتان باللحم الصلب، يشبهان في ضخامتهما وطولهما مصراعي باب قصر عالٍ ومملس.
النحض: اللحم. منيف: قصر عالٍ. الممرد: المملس أو المطول. يقول: لهذه الناقة فخذان أكمل لحمهما فشابها مصراعي باب قصر عالٍ مملس أو مطول في العرض من حيث القوة والصلابة.
يفسر ثنايا خلقها والتواء عظام فقراتها المتداخلة والمحكمة كالقسي، والتحام مفاصلها ببعضها في نظام مرصوص شديد القوة.
تشبيه الضلوع والمحال ببناء محكم مطوي، وشبّه بُعد مرفقيها عن جنبيها ببعد دلوين يحملهما دالج قوي شديد بيمناه ويسراه فبانت يداه عن جنبيه.
21
كَأَنَّ كِنَاسَيْ ضَالَةٍ يَكْنُفَانِهَا|وَأَطْرَ قِسِيٍّ تحت صُلْبٍ مُؤبَّدِ
يُشبه الشاعر جانبي ناقته (ضلوعها) ببيتين من بيوت وحش الفلا اتُّخِذا في أصل شجر الضال لشدة اتساعهما، ويُشبه انحناء هذه الضلوع تحت ظَهرها القوي المُقوّى (المؤبد) باعوجاج القسيّ المعطوفة.
الكناس: بيت يتخذه الوحش في أصل شجرة. الضال: نوع من الأشجار. الأطر: العطف. المؤبَّد (المؤيد): المقوى. والمعنى: كأن بيتين من بيوت الوحش في أصل ضالة صارا في ناحيتي هذه الناقة من ضخامتها، وقسياً معطوفة تحت ظهر مقوى شديد.
22
لها مِرْفَقَانِ أَفْتَلانِ كأنّها|تَمُرُّ بِسَلْمَي دَالِجٍ مُتَشَدِّدِ
يمتدح الشاعر مرفقي ناقته بتباعدهما وانفتالهما عن جنبيها لئلا يعيقا حركتها، ويُشبه سرعة حركتهما وقوتهما بحركة السَّطلين (أو الدلوين) اللذين يحملهما ساقٍ قويّ (دالج) يسرع الخطى في نقل الماء.
فيه روايات مختلفة في اللفظ (كأنما أمرا، وتمر، وتُمِر)، والمعنى يدور حول وصف المرفقين في شدتهما وتباعدهما عن الجنبين كأنما تمر بحبلين مبرومين لدالج شديد الخلق.
23
كَقَنْطَرَةِ الرّوميّ أَقْسَمَ رَبّها|لَتُكْتَنَفَنْ حتى تُشادَ بقَرْمَدِ
يشبه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها بقنطرة وثيقة البناء بناها رجل رومي، وأقسم صاحبها ليحيطنّها بالبناء الوثيق والآجر حتى ترتفع وتشتد.
القرمد: الآجر أو الصاروج. الاكتناف: الإحاطة. الشَّيْد: الرفع أو الطلي بالجص. شبه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها بقنطرة تبنى لرجل رومي قد حلف صاحبها ليحاطنّ بها حتى ترفع وتجصص بالصاروج لعظام بنائها وثباته.
في شعرات لحيها الأسفل حمرة (صهبة)، وظهرها قوي شديد الخلق، وتمتاز باتساع خطوها وسرعة حركة يديها ورجليها في السير.
العثنون: شعرات تحت اللحي الأسفل. الصهبة: حمرة في الشعر. القرا: الظهر. الموجدة: المقواة. الوخد: الذميل (نوع من السير سريع). المور: الذهاب والمجيء. يقول: في عثنونها حمرة وفي ظهرها قوة وشدة، ويبعد ذميل رجليها ومور يديها في السير لسرعتها ونشاطها.
25
أُمِرَّتْ يَداها فَتْل شَزْرٍ وأُجْنِحتْ|أُلها عَضُداها في سَقيفٍ مُسَنَّدِ
فتلت يداها فتلًا محكمًا أبعدهما عن صدرها فلا تصطدمان به، وأميلت عضداها تحت جنبين واسعين كأنهما سقف قصر وثيق مُسند بعضه إلى بعض.
الإمرار: إحكام الفتل. الفتل الشزر: ما أدير عن الصدر (في أحد الشقين). الإجناح: الإمالة. السقيف: السقف. المسند: الذي أسند بعضه إلى بعض. يقول: فتلت يداها فتلًا بعدتا به عن كركرتها، وأميلت عضداها تحت جنبين كأنهما سقف أسند بعض لبنه إلى بعض في الإحكام.
26
جَنوحٌ دِفاقٌ عَنْدЕЛُ ثُمَّ أُفْرِعَت|لها كَتِفاها في مُعالَىً مُصَعَّدِ
ناقة تميل لشدة نشاطها، مسرعة غاية الإسراع، وعظيمة الرأس، وقد ارتفعت كتفاها في بنيان عالٍ مشرف ومتصل بالظهر.
الجنوح: التي تميل في أحد الشقين لنشاطها. الدفاق: المندفقة المسرعة غاية الإسراع. العندل: العظيمة الرأس. الإفراع والمعالاة والتصعيد: التعلية والارتفاع. يقول: هذه الناقة شديدة الميلان عن سمت الطريق لفرط نشاطها، مسرعة جدًا، عظيمة الرأس، وقد عليت كتفاها في خلق مرتفع.
27
كَأنّ عُلوبَ النِّسْعِ في دَأَيَاتِها|مَوَارِدُ من خلقاء في ظهرِ قَرْدَدِ
كأن آثار حبال الحمل (النسع) في ظهر وجنبي هذه الناقة هي نقر تجمع الماء في صخرة ملساء صلبة بأرض غليظة، دلالة على صلابة جلدها وقوة خلقها.
العلب: الأثر. النَّسْع: سير تشد به الأحمال. الموارد: مجاري الماء. الخلقاء: الصخرة الملساء. القردد: الأرض الغليظة الصلبة التي فيها وهاد ونجاد. يقول: كأن آثار النسع في ظهر وجنبي الناقة نقر فيها ماء من صخرة ملساء في أرض غليظة صلبة، شبه آثار الأنساع بالنقر التي فيها الماء في بياضها، وجعل جنبها صلبًا كالصخرة.
28
تَلاقَى وأحيانًا تبين كأنّها|بَنَائِقُ غُرٌّ في قميصٍ مُقَدَّدِ
آثار هذه الحبال تلتقي تارة وتفترق تارة أخرى على جنبها، فيشبهها بقطع القماش البيضاء (اللبنات) المضافة في قميص ممزق أو مقطع بشكل متناسق.
(لم يَرِد لها شرح في النص المرسل).
29
وَأتلَعُ نَهّاضٌ إذا صَعّدَتْ بِهِ|كَسُكَّانِ بوصيٍّ بدِجلَةَ مُصْعِدِ
عنقها طويل وسريع الارتفاع، فإذا رفعته في سيرها أشبه سُكّان سفينة (ذنب السفينة الذي توجّه به) تجري مسرعة صاعدة في نهر دجلة.
الأتلع: الطويل العنق. النهّاض: كثير الحركة والنهوض. البوصي: ضرب من السفن. السُّكان: ذنب السفينة (الذي توجه به). يقول: هي طويلة العنق فإذا رفعت عنقها أشبه سكان سفينة في دجلة تصعد، جعل عنقها طويلًا سريع النهوض وشبهه في الارتفاع بسكان السفينة حال جريها.
30
وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ العَلاةِ كأنَّما|وَعى الْمُلتَقى منها إلى حرْفِ مِبْرَدِ
لها جمجمة صلبة تشبه السندان (العلاة) في قوتها، وتلتقي عظام رأسها عند أطراف حادة كأطراف المبرد حدة وصلابة.
العلاة: السندان الذي يطرق عليه الحديد. الوعي: الاجتماع والانضمام. الحرف: الناحية. الملتقى: موضع التقاء فراش الرأس. يقول: ولها جمجمة تشبه العلاة في الصلابة، فكأنما انضم طرفها إلى حد عظم يشبه المبرد في الحدة والصلابة.
31
وَخَذٌّ كقِرْطاسِ الشّآمي ومِشْفَرٌ|كَسِبْتِ اليَماني قِدُّهُ لم يُحَرَّدِ
شبه خدها في ملامسته ونعومته واستوائه بالورق الأبيض الناعم (قرطاس الشامي)، ومشفرها (شفتها) بالجلد المدبوغ اللين المستوي القطع دون تفاوت.
القرطاس: الورق المكتوب فيه. المشفر: شفة البعير. السبت: جلود البقر المدبوغة بالقرظ. التحريد: اضطراب القطع وتفاوته. شبه خدها في الانملاس بقرطاس الشامي، ومشفرها بالسبت اليماني في اللين واستقامة القطع دون اضطراب.
لها عينان صافيتان ولامعتان كالمرآتين، غائرتان في محجرين صلبين كأنهما غاران في صخرة صلبة، أو كأنهما نقرة جبل صافية الماء.
الماوية: المرآة. الاستكنان: الاستقرار والكن. الكهف: الغار. الحجاج: العظم المشرف على العين. القلت: النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء. يقول: لها عينان تشبهان مرآتين في الصفا والنقاء والبريق، وتشبهان ماء في القلت في الصفا، وشبه عينيها بكهفين في غؤورهما، وحجاجيها بالصخرة في الصلابة.
عيناها تدفعان الأذى والقذى بقوة لشدة صفائهما، وتلمعان كعيني بقرة وحشية أصابها الخوف ولها ولد (فرقد)، وعين الوحشية في الخوف تكون أشد اتساعًا وجمالًا.
الطحور: مبالغة الطاحر وهو الطارد والمبعد. العوار والقذى: ما يقع في العين فيؤذيها. الذعر: الإخافة. الفرقد: ولد البقر الوحشية. يقول: عيناها تطرحان وتبعدان القذى عن أنفسهما لنقائهما، ثم شبههما بعيني بقرة وحشية لها ولد وقد أفزعها صائد، وعين الوحشية في هذه الحالة تكون في غاية الاتساع والجمال.
34
وصَادِقتا سَمْعِ التّوَجّسِ للسُّرَى|لِهَجْسٍ خفيٍّ أو لصَوتٍ مَنَدِّدِ
لها أذنان حادتان وصادقتان في الاستماع أثناء سير الليل، فلا تخفى عليهما حركة خفية ولا صوت بعيد مرتفع.
التوجس: التسمّع. السُّرى: سير الليل. الهجس: الحركة الخفية. التنديد: رفع الصوت. يقول: ولها أذنان صادقتا الاستماع في حال سير الليل، لا يخفى عليهما الصوت والخفية ولا الحركة الضعيفة ولا الصوت الرفيع العالي.
أذناها محددتان دقيقتان كأطراف الحربة، تظهر فيهما علامات الأصالة والنجابة، وتشبهان أذني ثور وحشي منفرد في موضع "حومل"، وهو أشد تيقظًا وحذرًا.
التأليل: التحديد والتدقيق (من الآلة وهي الحربة). العتق: الكرم والنجابة. السامعتان: الأذنان. الشاة: الثور الوحشي هنا. حومل: موضع. يقول: لها أذنان محددتان كالحربة تعرف نجابتها فيهما، وهما كأذني ثور وحشي منفرد في حومل، وخص المفرد لأنه يكون أشد فزعًا وتيقظًا واحترازًا.
36
وَأَرْوَع نَبّاضٌ أحذُّ مُلَمْلَمٌ|كمِرْداةِ صَخْرٍ in صَفيحٍ مصَمَّدِ
لها قلب ذكي يتنبه لأقل شيء، سريع الحركة صلب مجتمع الخلق، يشبه صخرة شديدة تكسر بها الحجارة، يقع بين أضلاع عريضة ومحكمة كالصفائح.
الأروع: الذكي الذي يرتاع لكل شيء لفرط ذكائه. النباض: كثير الحركة. الأحذ: الخفيف السريع. الململم: مجتمع الخلق الصلب. المرداة: الصخرة التي تكسر بها الصخور. الصفيحة: الحجر العريض. المصمد: المحكم الموثق. يقول: لها قلب ذكي سريع الحركة، صلب مجتمع الخلق، يشبه صخرة تكسر الصخور في صلابتها، يقع بين أضلاع تشبه حجارة عراضًا محكمة.
37
وَأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ من الأنْفِ مارِنٌ|عَتيقٌ متى تَرْجُمْ به الأرضَ تَزْدَدِ
مشفرها الأعلى مشقوق (أعلم) وهو من علامات الكرم في الإبل، وأنفها لين ومثقوب، وكلما خفضت رأسها وأنفها نحو الأرض في السير زادت نشاطًا وسرعة.
الأعلم: المشقوق الشفة العليا. المخروت: المثقوب. المارن: ما لان من الأنف. يقول: ولها مشفر مشقوق، ومارن أنفها مثقوب (دلالة الكرم)، وهي عندما ترمي الأرض بأنفها ورأسها (تطأطئ رأسها في السير) تزداد قوة وسرعة في سيرها.
هي ناقة مطيعة مروضة؛ إن أراد الشاعر منها الإسراع أسرعت، وإن أراد الهدوء هدأت، وذلك لخوفها وطاعتها لسوطه المحكم المفتول من الجلد.
الإرقال: سير سريع فوق العادي ودون العدو. الإحصاد: الإحكام والتوثيق. القد: السير من جلد يضرب به. يقول: هي مطيعة مروضة، إن شئت أسرعت في سيرها وإن شئت لم تسرع، وذلك طاعة ومخافة من سوط ملوي محكم الصنع من الجلد.
وإن شاء جذب زمامها ليرتفع رأسها موازيًا لأعلى الرحل (واسط الكور) من فرط نشاطها، وتسرع في سيرها وتحرك عضديها كأنها تسبح، مسرعة كإسراع النعامة.
المساماة: المباراة في العلو. الكور: رحل البعير، وواسطه مقدمته. العوم: السباحة. الضبع: العضد. النجاء: الإسراع. الخفيدد: الظليم (ذكر النعام). يقول: إن شئت جعلت رأسها موازيًا لمقدمة رحلها علوًا ونشاطًا عند جذب الزمام، وتسرع في سيرها وتحرك عضديها كأنها تسبح، مثل إسراع النعامة.
40
على مِثْلِهَا أمْضي إذا قالَ صاحبي|ألا لَيْتَنِي أفديكَ منها وأفْتَدِي
على مثل هذه الناقة القوية يقطع الشاعر أسفاره الشاقة، حتى إن صاحبه في السفر يتمنى من شدة التعب والمهالك أن يفديه ويفدي نفسه ليخلصا من المشقة.
يقول: على مثل هذه الناقة القوية القاطعة للفيافي أمضي في أسفاري الشاقة، حتى إذا بلغ الجهد بصاحبي كل مبلغ قال من شدة التعب والراحة: ألا ليتني أفديك من مشقة هذه السفرة وأنجي نفسي.
41
وجاشَتْ إلَيْهِ النفسُ خوفًا وَخاله|مُصَابًا وَلَوْ أمسَى على غيرِ مَرْصَدِ
اضطربت نفس الصاحب وزال قلبه من شدة الخوف في هذه الفلوات المهلكة، وظن أنه هالك لا محالة، حتى وإن لم يكن في طريق مخوف فيه قطاع طرق.
جاشت النفس: ارتفعت وزالت عن مستقرها خوفًا. خاله: ظنه. المرصد: الطريق. يقول: ارتفعت نفس صاحبي واضطرب قلبه لفرط الخوف والجهد، فظن أنه هالك لا محالة، حتى وإن أمسى في فلوات بعيدة عن طريق قطاع الطرق، وذلك لمهابة المكان وصعوبته.
إذا طلب القوم فتى شجاعًا يكفي مهمًا أو يدفع شرًا، ظن الشاعر أنه المعني والمطلوب لشهرته بالشهامة، فلا يكسل ولا يتردد في نجدتهم.
خلت: ظننت. عنيت: قُصدت وأُرِدت. يقول: إذا نزل بالقوم خطب أو شدة وقالوا: من فتى يكفي هذا المهم أو يدفع هذا الشر؟ ظننت أنني المراد والمقصود لشجاعتي وسؤددي، فلا أكسل في الإعانة ولا أتبلد بل أنهض ممتثلاً.
يقول: أقبلت على ناقتي أضربها بالسوط (القطيع) لتسرع، فأسرعت مسرعة غاية الإسراع في وقت اشتداد الحر وظهور السراب فوق الأرض الحجرية الصلبة.
أحلت عليها: أقبلت وضربت. القطيع: السوط. الإجذام: الإسراع. الآل: السراب. الأمعز: المكان الصلب الذي يخالط ترابه الحصى. يقول: أقبلت على ناقتي أضربها بالسوط فأسرعت في سيرها في وقت اشتداد الحر وحين يخب السراب فوق الأراضي الحصوية المتوقدة حرارة.
44
فَذالتْ كما ذالتْ وَليدَةُ مَجْلِسٍ|تُرِي رَبّها أذيالَ سَحْلٍ مُمَدَّدِ
فتبخترت الناقة في سيرها وتمايلت كما تتبختر جارية (وليدة) ترقص في مجلس سيدها وتريه أذيال ثوبها الأبيض الطويل، فشبه تبخترها برقص الجارية وطول ذنبها بذيل الثوب.
الذيل (الذَوَلان): التبختر. الوليدة: الجارية. السحل: الثوب الأبيض من القطن. يقول: فتبخترت الناقة في سيرها كما تتبختر جارية ترقص وتتمايل بين يدي سيدها فتريه أذيال ثوبها الأبيض الطويل، شبه تبخترها برقص الجارية، وطول ذنبها بطول ذيل الثوب.
أنا لا أنزل في بطون الأودية ومجاري المياه مستترًا خوفًا من الأضياف أو الأعداء، بل أنزل في المرتفعات الواضحة، ومتى طلب القوم عوني لإقراء ضيف أو قتال عدو أعنتهم.
الْحَلَّال: كثير الحلول والنزول. التلعة: مجاري الماء المرتفعة المنخفضة عن الجبال (بطون الأودية الخفية). الرفد والاسترفاد: الإعانة والاستعانة. يقول: أنا لا أنزل في بطون الأودية خفية وغيبة مخافة الأضياف أو الأعداء، بل أنزل في المرتفعات الواضحة، ومتى طلب القوم عوني وإرفادي في قرى ضيف أو قتال عدو أعنتهم.
46
فإنْ تَبْغِنِي فِي حَلقَةِ القَوْمِ تلقَنِي|وَإنْ تَقْتَنصني في الْحَوانيت تصْطَدِ
إن تطلبني في مجالس الكرام ومحافل الجد تجدني سيدًا هناك، وإن تطلبني في بيوت الخمر وأماكن اللهو تصطدني وتجدني هناك؛ فهو يجمع بين الجد والهزل في وقتهما.
تَبغِني: تطلبني. الحلقة: مجلس القوم ومحفلهم. الحانوت: بيت خمار ومجلس الشراب. يقول: إن تطلبني في مجالس العز والجد والحرب تجدني صدرًا فيها، وإن تطلبني في مواضع اللهو والشراب تصطدني هناك، يريد أنه يجمع بين الجد والهزل ويعطي كل حال حقه.
وإن اجتمعت القبائل كلها للمفاخرة بالحسب والنسب، وجدتني أنتمي إلى أعلى الشرف وأرفع بيت يقصده الناس، فهو أوفاهم حظًا في الحسب والنسب.
الذروة: الأعلى. المصمد: المقصود للشرف. يقول: وإن اجتمع الحي للمفاخرة والمحامدة، تلاقني أنتمي وأعتزي إلى أعلى الشرف وأرفع بيت يقصده الناس، يريد أنه أوفاهم حظًّا من الحسب والنسب العالي.
48
ندامايَ بيضٌ كالنّجومِ وَقَيْنَةٌ|تَرُوحُ علينا بين بُرْدٍ وَمُجْسَدِ
أصحابي في مجالس الشراب كرام أحرار تشرق وجوههم كالنجم، وتأتينا مغنية (قينة) في وقت الرواح لابسة ثيابًا فاخرة من البرود أو الثياب المصبوغة بالزعفران.
الندامى: الرفاق على الشراب. بيض: كناية عن الحرية والنقاء من العيوب وشهرة الوجوه. القينة: الجارية المغنية. المجسد: الثوب المصبوغ بالزعفران. يقول: رفاقي كرام أحرار تشرق وجوههم ك النجوم، وتأتينا مغنية في الرواح لابسة بردًا فاخرًا أو ثوباً مصبوغاً بالزعفران.
هذه المغنية واسعة جيب الثمياب، لينة ورفيقة عند لمس الندامى لها، وما ظهر من جسدها ناعم اللحم، رقيق الجلد، وصافي اللون.
رحيب: واسع. قطاب الجيب: مخرج الرأس من الثوب. الجس: اللمس. البضة: الناعمة الرقيقة الجلد. المتجرد: ما تعرى من الجسد. يقول: هذه القينة واسعة جيب القميص، وهي لينة رفيقة عندما يلمسها الندامى، وما يظهر ويعرى من جسدها ناعم رقيق الجلد صافي اللون.
50
إذا نحنُ قُلْنَا أَسْمعينا انْبَرت لَنا|على رِسْلِها مَطُْروقَةً لَمْ تَشَدَّدِ
إذا طلبنا منها الغناء أقبلت علينا تغني بتؤدة ووقار ونغمة رقيقة فاترة لا تكلف فيها ولا تشديد، لتبعث الراحة في نفوس الحاضرين.
أسمعينا: غنينا. انبرت: عرضت وابتدأت. على رسلها: على تؤدتها ومهلها. المطروقة: التي في نغمتها وعينيها فتور وضَعف مستحسن. يقول: إذا طلبنا منها الغناء انبرت تغنينا بوقار وتؤدة، ونغمتها رخيمة فيها فتور رقيق مستحب دون تكلف أو تشديد.
51
إذا رَجّعَتْ فِي صَوْتِهَا خِلْتَ صَوْتَها|تَجاوُبَ أظْآرٍ على رُبَعٍ رَدِ
إذا رددت وطربت في صوتها، حسبت نغمتها الحزينة كأصوات نوق تعطف وتصيح معًا على فصيل (ولد ناقة) هلك ومات، لفرط رقة وعذوبة صوتها.
الترجيع: ترديد الصوت وتغريده. الظئر: الناقة التي لها ولد. الربع: ما ولد في أول النَّتاج من الإبل. الردى: الهلاك. يقول: إذا طربت في صوتها ورددت نغمتها حسبت صوتها أصوات نوق تصيح عند جؤارها على ولد هالك، شبه صوتها بصوتهن في التحزين والترقيق.
لم أزل مستمرًا في شرب الخمور وطلب اللذات وإنفاق أموالي الحديثة والموروثة القديمة في كسب المحامد، حتى لزمتُ هذه الأشياء لزوم غيري لإصلاح ماله.
التشراب: الشرب. الطريف: المال الحديث المستحدث. المتلد: المال القديم الموروث. يقول: لم أزل أشرب الخمر وأشتغل باللذات وبيع الأعلاق النفيسة وإتلافها حتى كأن هذه الأشياء لي بمنزلة المال المستحدث والموروث لزومًا واعتيادًا.
53
إلى أنّ تحامَتْني العشيرة كُلّها|وَأُفْرِدْتُ إِفْرادَ البَعيرِ الْمُعَبَّدِ
استمررت على ذلك الإنفاق والإتلاف للمال حتى تجنبتني عشيرتي وابتعدت عني، وأفردتني وحيدًا كما يُفرد البعير الأجرب المطلي بالقطران (المعبد) ويتجنبه باقي القطيع.
التَّحامي: التجنب والاعتزال. البعير المعبّد: المذلل المطلي بالقطران (الذي يُعزل عن الإبل الأصحاء). يقول: فتجنبتني عشيرتي وأفردتني لما رأت أني لا أكف عن إتلاف المال والاشتغال باللذات، كما يُفرد ويُتجنب البعير الأجرب المطلي بالقطران.
54
رَأَيْتُ بَني غَبَراءَ لا يُنْكِرُونَني|وَلا أهْلُ هذاكَ الطِّرَافِ الْمُمَدَّدِ
لما أفردتني عشيرتي وجدت أن الفقراء المحتاجين (بني غبراء) لا ينكرون فضلي وإحساني، وكذلك الأغنياء أصحاب الخيام الكبيرة الواسعة لا ينكرون صحبتي ومروءتي.
بني غبراء: الفقراء الذين لصقوا بالأرض لفقرهم. الطِّراف: البيت من الأدم (الجلد)، وتمديده كفناية عن عِظَمه (الأغنياء). يقول: لما أفردتني العشيرة وجدُت الفقراء لا ينكرون إحساني، وكذلك الأغنياء أصحاب البيوت الكبيرة لا ينكرون منادمتي واستطابة صحبتي.
55
ألا أيّهَذَا اللّائمي أَحْضُرَ الوَغَى|وأن أشهد اللذاتِ هل أنتَ مخلدي؟
يوجه الشاعر عتابه للائم الذي يلومه على اقتحام الحروب والمعارك (الوغى) وإنفاق المال في اللذات، ويسأله مستنكرًا: هل كفي عن هذا سيضمن لي الخلود والبقاء؟
الوغى: أصله صوت الأبطال في الحرب ثم جُعل اسمًا للحرب. التخليد: الإبقاء. يقول: ألا أيها الإنسان الذي يلومني على حضور المعارك والخوض في اللذات، هل تضمن لي الخلود والبقاء إن كففت عنها؟
56
فإنْ كنتَ لا تَسْطيعُ دَفْعَ مَنيّتي|فَدَعني أبادِرْها بما مَلَكَتْ يدي
ما دمت أيها اللائم لا تستطيع أن تدفع عني الموت (المنية) إذا جاء، فاتركني أستمتع بحياتي وأبادر الموت بإنفاق ما تملكه يدي من أموال في وجوه الكرم.
المنية: الموت. يقول: فإن كنت لا تستطيع أن تدفع موتي عني فدعني أبادر الموت بإنفاق أملاكي والتمتع باللذات، فالموت لا بدّ منه ولا معنى للبخل بالمال.
57
وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنّ من عيشَة الفَتى|وَجَدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوّدي
يقسم الشاعر بأنه لولا حبه لثلاث خصال هي أساس لذة وعيش الفتى الكريم، لما بالى متى يأتيه الموت وتقوم الوافدات من حوله يائسات من حياته.
الْجَدّ: الحظ والبخت (وهنا قَسَم). لم أحفل: لم أبالِ. العوَّد: زوار المريض. يقول: لولا حُبّي لثلاث خصال هن من لذة الفتى الكريم لم أبالِ متى مِتُّ وقام عُوَّدي من عندي آيسين من حياتي.
58
فَمِمَّنْ سَبْقِي العَاذِلاتِ بشَرْبةٍ|كُميتٍ متى ما تُعلَ بالماءِ تُزْبدِ
أولى هذه الخصال هي مبادرته لشراب الخمر الحمراء المائلة للسواد (كميت) في الصباح الباكر قبل أن تنتبه العواذل لتلومه، وهي خمر جيدة ترغي وتزبد إذا صُب عليها الماء.
العاذلات: اللائمات. كميت: اللون الذي يجمع بين الحمرة والسواد (لون الخمر الصافية). يقول: أولى هذه الخلال أني أسبق اللائمات بشربة من الخمر الصافية باكرًا، والتي إذا صُبَّ الماء عليها زبدت لشدتها وعتقها.
59
... وَكَرّي إذا نادى الْمُضافُ مُحَنَّبًا|كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَهُ الْمُتَوَرِّدِ
والخصلة الثانية هي إغاثته للمستغيث الخائف وعطفه عليه بركوب فرس سريع ملتوي القوائم (محنّب)، يسرع لنجدة الملهوف كإسراع ذئب الغضا الخبيث إذا نُبِّه وهو قاصد الماء.
الكرّ: العطف والكرور. المضاف: الخائف المستغيث. المحنب: الفرس الذي في يده انحناء محمود. السِّيد: الذئب. الغضا: شجر صلب. يقول: والخصلة الثانية إغاثتي للمستغيث عاطفاً فرسي المحنب السريع، الذي يشبه في سرعته ذئب الغضا الخبيث إذا نبهته وهو يريد الماء.
والخصلة الثالثة هي الاستمتاع بيوم الغيم الشاعري الجميل (الدجن) برفقة امرأة ناعمة سمينة ممتلئة الخلق (بهكنة) في خيمة عظيمة مرفوعة بالأعمدة، لتقصير الوقت باللهو.
الدجن: إلباس الغيم آفاق السماء. البهكنة: المرأة الحسنة الخلق الناعمة. الْمُعَمَّد: المرفوع بالعمد. يقول: والخصلة الثالثة تقصير يوم الغيم والمطر (وهو وقت يعجب النفس) بالتمتع بامرأة ناعمة حسنة الخلق تحت بيت ضخم مرفوع بالعمد.
يشبه ساقي هذه المرأة وساعديها لشبههما بخصال النعمة والامتلاء، بغصن شجر "العُشر" أو "الخروع" الناعم الطري الذي لم تقطع أغصانه، وكأن خلاخيلها وأساورها معلقة عليه.
البرة (البرين): استعارة للخلاخيل والأسورة. الدملج: الْمِعْضَد. العُشَر والخِرْوَع: ضربان من الشجر ناعم الأغصان. التَّخضيد: التشذيب. شبه ساعديها وساقيها بأغصان العشر أو الخروع في الامتلاء والنعمة والضخامة.
62
كَرِيمٌ يُرَوِّي نَفْسَهُ في حَيَاتِهِ|سَتَعْلَمُ إن مُتْنَا غَدًا أَيّنا الصّدي
يؤكد الشاعر أنه فتى كريم يروي نفسه بلذات الحياة بالخمر والكرم، ويقول لعاذله: ستعلم غدًا إذا متنا جميعًا من منا العطشان (الصدي) المحروم من لذة الدنيا.
الصدي: العطشان. يقول: أنا رجل كريم يروِّي نفسه أيام حياته بالخمر واللذات، وستعلم يا عاذلي إذا متنا غدًا أينا العطشان في قبره؛ يريد أنه يموت ريَّان وعاذله يموت عطشان ببخله.
63
أَرَى قَبْرَ نَحّامِ بَخيلٍ بِمَالِهِ|كَقَبْرِ غَوِيٍّ في البطالَةِ مُفْسِدِ
يرى الشاعر في نهاية المطاف أن قبر البخيل الحريص على جمع المال، يتساوى تمامًا في النهاية مع قبر المفسد الذي أتلف ماله في البطالة واللذات؛ فالموت يجمع الجميع ولا ينفع البخل صاحبه.
النحّام: الحريص الشحيح. الغويّ: الضال المفسد بماله. يقول: لا فرق بين البخيل والمسرف الجواد بعد الوفاة، فقبر هذا كقبر ذاك، فَلِمَ أبخل بأعلاقي وأموالي؟
64
تَرَى جُثَوَتَينِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهما|صَفائحُ صُمٌّ من صَفِيحٍ مُنَضَّدِ
يرى الشاعر في النهاية أن قبري البخيل والسمح الجواد يصبحان متساويين؛ كلاهما كومتان من التراب تعلوهما حجارة صلبة عريضة مرصوصة.
الجثوة: الكومة من التراب. التنضيد: مبالغة النضد والترتيب. يقول: أرى قبري البخيل والجواد في النهاية كومتين متساويتين من التراب عليهما حجارة عراض صلاب مصفوفة، فلا ميزة لأحدهما على الآخر في اللحد.
أرى الموت يختار الأحرار الكرام بالإفناء، ويصطفى كرائم أموال البخيل المتشدد، فالموت يعم الجميع ولا تخلص منه، ولذا فإن الجود أفضل من البخل.
الاعتيام: الاختيار. العقيلة: كرائم المال والنساء. الفاحش: البخيل هنا. يقول: أرى الموت يختار الكرام بالإفناء، ويستأصل كرائم أموال البخيل المتشدد، فلا تخلص من الموت لأحد الصنفين، فالجود أحرى لأنه أحمد ذكراً.
يشبه الشاعر الحياة والبقاء بكنز يقل وينقص في كل ليلة، وما دامت الأيام تنقصه باستمرار فإن مآله الحتمي إلى النفاد والفناء.
الينفد: يفنى ويغيب. شبه بقاء الإنسان وعيشه بكنز ينقص منه شيء كل ليلة، وما لا يزال ينقص كل يوم لا بد أن يؤدي به الدهر إلى النفاد والفناء لا محالة.
67
لَعَمرُك إنّ الْمَوتَ ما أخطأ الفتى|لكالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْياهُ باليَدِ
يقسم الشاعر بأن مهلة الموت للفتى تشبه حبلاً طويلاً رُبطت به دابة ترعى بحرية، لكن طرفي الحبل بيد صاحبها؛ فمهما طال العمر فإن الموت سيقوده حتمًا في النهاية.
الطِّوَل: الحبل الذي يُطَوَّلُ للدابة فترعى فيه. الثني: الطرف والجنب. يقول: أقسم بحياتك أن الموت في مدة إخطائه الفتى (مجاوزته له) بمنزلة حبل طُوِّلَ للدابة ترعى فيه وطرفاه بيد صاحبه، متى شاء الموت قاد الفتى لهلاكه وضمه.
يتعجب الشاعر مستغربًا من موقف ابن عمه "مالك"، فكلما حاول الشاعر التقرب والتودد إليه، جفاه وابتعد عنه وأمعن في هجرانه.
النأي والبعد: بمعنى واحد وجُمعا للتأكيد وإثبات القافية. يستغرب الشاعر هجران ابن عمه مالك له، فكلما حاول التقرب منه والتودد إليه، تباعد عنه ونأى بجانبه.
69
يَلُومُ وما أدري عَلامَ يَلُومُني|كما لامني في الحي قُرْطُ بن مَعبدِ
يقول إن ابن عمه يستمر في لومه دون سبب واضح أو جناية تستحق، تمامًا كما ظلمه سابقًا رجل في القبيلة يُدعى "قرط بن معبد" بلموه بغير حق.
يقول: يلومني مالك وما أدري ما السبب الحقيقي الداعي إلى لومه إياي، كما لامني قبله قُرْط بن معبد في القبيلة، ويريد أن لومه إياه ظلم صراح بلا سبب وجيه.
70
وأَيأسَني مِنْ كلّ خَيرٍ طَلَبْتُهُ|كأَنّا وَضَعناهُ إلى رَمْسِ مُلْحَدِ
لقد قطع ابن عمه رجاءه من كل خير يطلبه منه، وآيسه تمامًا حتى صار هذا الطلب كأنه ميت وُضع في قبر مغلق داخل لحمده لا يُرجى منه شيء.
الرّمس: القبر. ألحدت: جعلت له لحدًا. يقول: قنطني مالك من كل خير رجوته منه وتأملته، حتى كأننا وضعنا ذلك الطلب والرجاء في قبر رجل مدفون في اللحد لا يُرجى منه عودة ولا نفع.
71
على غَيرِ شَيءٍ قُلتُهُ غَيرَ أَنّنِي|نشَدْتُ فَلَمْ أُغْفِل حَمولَةَ مَعبَدِ
إن هذا اللوم والجفاء كان بلا ذنب اقترفته، سوى أنني طلبت إبل أخي "معبد" المفقودة ولم أتركها، فنقم ابن عمي ذلك مني وجعل يلومني عليه.
النّشدان: طلب المفقود. الحمولة: الإبل التي تحمل الأثقال. معبد: أخوه. يقول: يلومني بلا جناية جنيتها، إلا أنني طلبت إبل أخي معبد المفقودة ولم أتركها ضائعة، فنقم ذلك مني وجعل يلومني لأجل هذا الطلب.
رغم جفائه فقد تمسكت برابطة القرابة بيننا، وأقسمُ بحظك أنني متى واجه أمرًا عصيبًا يبلغ أقصى طاقته ويحتاج بذل المجهود سأحضره وأنصره فيه.
القربى: القرابة والرحم. النكيثة: المبالغة في الجهد وأقصى الطاقة. يقول: توددت بالقرابة التي تجمعنا، وأقسم بحظك أنه متى حدث لمالك أمر عصيب يبلغ فيه غاية الطاقة ويبذل فيه المجهود، سأحضره وأنصره بنفسي.
إذا دُعيت لحماية القبيلة في الأمور العظيمة والخطوب الجسيمة سأكون أول حُماتها، وإذا هاجمك الأعداء سأبذل كل طاقتي في قتالهم ودفعهم عنك.
الْجُلَّى: الخطة الشديدة والأمر العظيم. الحماة: جمع حامي. يقول: إن دعوتني يا ابن عمي للأمر العظيم والخطب الجسيم أكن في مقدمة الذين يحمون حماك، وإن داهمك الأعداء أجهد في دفعهم غاية الجهد.
74
وإن يقذِفوا بالقذعِ عِرْضَكَ أسقهمْ|بكأسِ حياضِ الْمَوتِ قبلَ التهدّدِ
وإن إساء الأعداء إلى حسبك وشتموا عرضك بكلام فاحش، سأسقيهم من كأس الموت وأهلكهم على الفور قبل أن أضيع الوقت في تهديدهم.
القذع: الفحش والسب. العرض: الحسب والنفس. يقول: وإن أساء الأعداء القول فيك وأفحشوا في سب عرضك، أوردتهم حياض الموت بضربي وطعني قبل أن أضيع الوقت في تهديدهم، أي أشتغل بإهلاكهم مباشرة.
لقد جُفيت وأُوذيت وطُردت من غير إساءة فعلتها، وصرت أُعامَل بالعقوبة والشكوى كأنني ارتكبت جريرة وجناية تستوجب الطرد والهجاء.
الحدث: الإساءة والجريرة. يقول: أُجفى وأُهجر من مالك من غير إساءة جنيتها، ثم أُهجى وأُشكى وأُطرد من العشيرة كما يُفعل بمن جنى جناية عظيمة واستحق الطرد والشكوى.
76
فَلَو كَانَ مولايَ امْرَأً هُوَ غيرُهُ|لَفَرّجَ كَرْبي أو لأَنْظَرَني غدي
لو كان ابن عمي رجلاً غير "مالك" لفرّج عني كربتي وغَمّي، أو على الأقل لأمهلني وأنظرني بعض الوقت ولم يعجل بظلمي وجفائي.
مولاي: ابن عمي (هنا). الكرب: الغم الشديد. الإنظار: الإمهال. يقول: لو كان ابن عمي رجلًا غير مالك لفرج عني ضيقتي وكشف كربي، أو على الأقل لأمهلني زمانًا ولم يعجل بملامتي وهجراني.
77
وَلَكِنّ مَوْلايَ امْرؤٌ هوَ خانقي|عَلَى الشّكْرِ والتَّسْآلِ أو أنا مفتَدِ
لكن ابن عمي يضيق عليّ الخناق في كل حال، سواء شكرت إحسانه، أو سألته بره وعفوه، أو حاولت افتداء نفسي وتخليصها منه.
التسآل: السؤال. يقول: ولكن ابن عمي يضيق الأمر علي ويقهرني حتى كأنه يأخذ عليّ متنفسي ويخنقني، سواء شكرته أو سألته بره وعفوه، أو حاولت افتداء نفسي وتخليصها منه.
إن الظلم الصادر من الأقارب أشد إيلامًا ووقوعًا في النفس وتهييجًا للحزن، من ضربة السيف القاطع الحاد المصنوع في الهند.
المضاضة: ألم الحزن والغم الكامن في النفس. الحسام المهنّد: السيف القاطع المصنوع في الهند. يقول: ظلم الأقارب أشد إيلاماً وتأثيراً في النفس من ضرب السيف القاطع القوي؛ لأن ظلم القريب يأتي من حيث يُرتجى النصر.
79
فَذَرْني وخُلْقي، إنّني لكَ شاكرٌ|وَلَو حلّ بيْتي نائبًا عند ضَرْغَدِ
يقول لابن عمه: اتركني وشأني وكلني إلى سجيتي، فإني سأظل شاكرًا لك ومحافظًا على العهد حتى لو ابتعدت داري عنك وصرت عند جبل "ضرغد" البعيد.
ضرغد: جبل بعيد. يقول لمالك: خلّ بيني وبين سجيتي وطريقتي في الحياة فإني شاكر لقرابتك على كل حال، ولو ابتعدت عنك ونزل بيتي عند جبل ضرغد على مسافة شاقة وبينونة بليغة.
80
فلوْ شَاءَ رَبِّي كنتُ قيسَ بن خالِدٍ|ولوْ شَاءَ رَبِّي كنتُ عمرو بن مَرْثَدِ
لو شاء الله لبلغت منزلة "قيس بن خالد" أو "عمرو بن مرثد"، وهما من سادات العرب المشهورين بوفرة المال، وشرف النسب، وعظم الحسب.
قيس بن خالد وعمرو بن مرثد: سيدان من سادات العرب ممدوحان بوفور المال ونجابة الأولاد وكرم الحسب. يقول: لو شاء الله لجعلني مثلهما في السؤدد والقدر والنعمة.
81
فأصْبَحتُ ذا مالٍ كثيرِ وزَارَني|بَنُونَ كِرامٌ سَادَةٌ لِمُسَوَّدِ
ولو بلغت منزلتهما لكنت صاحب أموال طائلة، ورزقني الله بأبناء كرام سادة يزورونني ويعظمونني كوني سيدًا رئيسًا.
لمسوَّد: رجل سيد (يقصد نفسه). يقول: لو بلّغني الله منزلة هذين السيدين لصرت وافر المال، يزورني أبناء كرام موصوفون بالسؤدد منسوبون لأب سيد ومطاع.
82
أنا الرّجُلُ الضّرْبُ الذي تَعرِفُونَهُ|خَشَاشٌ كرَأسِ الْحيّةِ الْمُتَوَقّدِ
يمتدح الشاعر نفسه بأنه خفيف اللحم (والعرب تمدح بذلك دلالة على النشاط)، وأنه ذكي متيقظ سريع الحركة في الأمور مثل توقد وذكاء رأس الحية.
الضرب: الرجل الخفيف اللحم النشيط. الخشاش: اللطيف السريع الدخول في الأمور. يقول: أنا الرجل الخفيف اللحم المتوقد ذكاء ونشاطاً، الذي يدخل في غمار الأمور بسرعة، مشبهاً تيقظه بحركة رأس الحية الشديد التوقد.
83
فآلَيْتُ لا يَنفَكّ كَشحي بطانَةً|لِعَضْبٍ رَقيقِ الشّفرَتَينِ مُهَنّدِ
لقد أقسمتُ وحلفتُ ألا يفارق خصر جَنْبي سيف قاطع رقيق الحدين مطبوع بالهند، يلازمني دائمًا كالثوب اللصيق بالجسد.
آليت: حلفت. لا ينفك: لا يزال. العضب: السيف القاطع. الشفرة: حد السيف. يقول: ولقد حلفت ألا يفارق كشحي (جنبي) سيف قاطع رقيق الحدين مصنوع بالهند، فهو ملازم لي كالبطانة للثوب.
84
حُسامٍ إذا ما قُمتُ منتصرًا به|كفى العَوْدَ منهُ البدءُ ليسَ بِمِعضَدِ
هو سيف قاطع حاد، إذا قمت منتقمًا به من الأعداء كفتني الضربة الأولى منه عن الثانية (يغني البدء عن العود)، وليس سيفًا رديئًا لقطع الشجر.
الانتصار: الانتقام. المعضد: سيف رديء يُقطع به الشجر. يقول: هو سيف قاطع إذا انتقمت به من الأعداء، كفت ضربته الأولى (البدء) عن إعادتها (العود) لمضائه، وليس من السيوف الرديئة التي يُقطع بها شجر الغابات.
85
أخي ثِقَةٍ لا يَنْثَني عن ضرِيبةٍ|إذا قيلَ مهلًا قال حاجزُه قَدي
هذا السيف موثوق بمضائه، لا يرتد ولا ينبو عن شيء يُضرب به، وإذا قيل لصاحبه كُف عن القتل، قال السيف أو صاحبه: حسبي (قدي) فقد نلت مرادي وأهلكت عدوي.
الضريبة: ما يُقطع بالسيف. قدي: حسبي. يقول: هذا السيف موثوق بمضائه كالأخ الصادق، لا ينصرف ولا ينبو عن أي شيء يُضرب به، وإذا قيل لي كف (مهلاً) يقول حد السيف القاطع باختراقه اللحم: حسبي قد بلغت المراد.
86
إذَا ابْتَدَرَ القوْمُ السّلاحَ وجدْتَني|مَنيعًا إذا بَلّتْ بقائِمِهِ يَدي
إذا تسابق القوم عند الفزع لاستلال أسلحتهم، وجدتني بطلاً منيعًا لا أُقهر ولا أُغلب ما دامت يدي قد ظفرت بقبضة وقائم هذا السيف المحكم.
ابتدر القوم: استبقوا. المنيع: القوي الذي لا يُقهر. بلّت به: ظفرت وقبضت عليه. يقول: إذا استبق القوم إلى أسلحتهم عند الفزع، وجدتني عزيزاً منيعاً لا أُغلب بمجرد أن تقبض يدي على قائم هذا السيف.
فمرت بي ناقة ضخمة سمينة عظيمة الضرع، وهي كريمة مال شيخ كبير يبس جسمه وصار كالعصا (الوبيل) وهو شديد الخصومة (يريد والده)، فعقرتها لندمائي.
الكهاة والجلالة: الناقة الضخمة السمينة. الخيف: جلد الضرع. العقيلة: كريمة المال. الوبيل: العصا الضخمة. اليلندد: الشديد الخصومة. يقول: فمرت ناقة ضخمة سمينة، هي كريمة مال شيخ كبير (يقصد أباه) نحل جسمه وصار كالعصا الكبيرة وهو شديد اللدد والخصومة.
89
يَقولُ وَقَدْ تَرّ الوَظيفُ وسَاقُها|أَلَستَ تَرى أن قد أَتَيتَ بِمُؤيِدِ
قال هذا الشيخ حين ضربتُ الناقة الكريمة وسقط ساقها ووظيفها بضربة سيفي: ألم ترَ أنك جئت بداهية ومصيبة عظيمة (مؤيد) بعقرك لهذه الناقة الثمينة؟
تَرّ: سقط وانقطع. المؤيد: الداهية العظيمة الشديدة. يقول: قال هذا الشيخ (أبوه) حين ضربت الناقة بالسيف فسقط وظيفها وساقها للأرض معقورة: ألم ترَ يا طرفة أنك جئت بداهية شديدة ونكر عظيم بعقرك لهذه الناقة النفيسة؟
وقال الشيخ مستشيرًا الحاضرين: ما الرأي في شارب خمر اشتد ظلمه وبغيه علينا، ويتعمد عقر ونحر نفائس أموالنا لشرابه ولهوه؟
يقول: قال الشيخ للحاضرين مستشيراً ومستنكراً: ما ترون أن نفعل بهذا الشارب (شارب الخمر) الذي اشتد بغيه وجوره علينا، وهو يعقر كرائم أموالنا عامداً متعمداً قاصداً الإسراف والتبذير؟
ثم استقر رأي الشيخ فقال: دعوه فإنما نفع هذا المال سيعود إليه لأنه وارثي، ولكن امنعوا وردوا باقي الإبل الشاردة حتى لا يستمر في عقرها كلها.
ذروه: دعوه وتركوُه. الكف: المنع والرد. يقول: ثم استقر رأي الشيخ على ترك لومي وقال: دعوه فإن نفع الإبل ومآلها له لأنه وارثي، ولكن ردوا واكفوا ما تفرّق وابتعد من بقية الإبل (قاصي البرك) لئلا يزدد عقرًا لها.
يوصي الشاعر ابنة أخيه "معبد" قائلاً: إذا مت فاندبيني واذكري من محاسني وصفاتي الكريمة ما أستحقه، واشقي عليّ جيب ثوبك حزنًا وبكاءً.
انعيني: أشيعي خبر موتي مادحة. ابنة معبد: ابنة أخيه معبد. يوصي ابنة أخيه قائلاً: إذا مت فاذكري محاسني ومفاخري التي أستحقها بين الناس، وشقي جيب ثوبك حزناً وبكاءً عليّ كما تفعل الحرائر.
94
وَلا تجعَليني كامْرِئٍ ليْسَ هَمّهُ|كَهَمّي ولا يُغني غَنائي ومَشهدي
ولا تسوّي في ثنائك وبكائك بيني وبين رجل خامل ليس له همة عالية كهمتي، ولا يكفي الملمات ككفايتي، ولا يحضر وقائع الحرب والمحافل كمشهدي.
الغناء: الكفاية والنفع. المشهد: حضور الوقائع والمعارك. يقول: ولا تسوّي في الثناء والبكاء بيني وبين رجل خامل ليس له همة عالية كهمتي، ولا يكفي الشدائد كفايتي، ولا يشهد الحروب والمحافل مشهدي.
95
بَطِيءٍ عَنِ الْجُلّي سَريعٍ إلى الخنا|ذَلولٍ بِأَجْمَاعِ الرّجالِ مُلَهَّدِ
(تابع لصفة الرجل الخامل): لا تجعليني كرجل يتأخر عن الأمور العظيمة ويسرع إلى الفحش والمنكر، وهو رجل ذليل يدقعه الرجال ويهينونه بأكفهم.
الخنا: الفحش والرديء من القول. أجماع الرجال: قبضات الأكف مجموعة. المُلهَّد: المدفوع المضروب. يكمل وصف الرجل الخامل: هو بطيء عن الأمور العظيمة، سريع إلى الفحش، ذليل يدفعه الرجال ويضربونه بقبضات أيديهم لهوانه.
96
فَلَوْ كُنْتُ وَغْلًا في الرّجَال لَضَرّني|عداوَةُ ذي الأصحابِ والْمُتَوَحِّدِ
لو كنت رجلًا ضعيفًا أو لئيمًا (وغلاً) لآذتني وضرّتني معاداة الناس لي، سواء من كان له أتباع وأنصار أو من كان وحيدًا منفردًا، لكنني قوي لا تضرني عداوتهم.
الوغل (أو الوغد): اللئيم الضعيف من الرجال. يقول: لو كنت رجلاً ضعيفاً لئيماً لملأت قلبي مخافة ولأضرتني عداوة الرجل ذي الأنصار وعداوة الرجل المنفرد، ولكنني عزيز قوي فلا يضرني أحد منهما.
97
وَلكِنْ نَفَى عَنِّي الرجال جَرَاءَتِي|عليْهِمْ وإقْدَامي وصِدقي ومَحْتدي
ولكن شجاعتي وجرأتي وإقدامي في الحروب، وصدق عزيمتي، وكرم أصلي ومحتدي، كلها أمور حمتني وجعلت الرجال يهابون معاداتي أو النيل مني.
الجراءة: الشجاعة. المحتد: الأصل والنسب. يقول: ولكن الذي حمى حماي ونفى عني تطاول الرجال ومباراتهم هو شجاعتي الشديدة عليهم، وإقدامي في المعامع، وصدق صريمتي وكرم أصلي ونسبى العريق.
98
لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عليّ بِغُمَّةٍ|نَهَارِي ولا لَيلِي عَليّ بسرْمَدِ
أقسم بحياتك أن أمري وشأني ليس مغطى بالهموم (غمة) في نهاري، ولا يطول عليّ ليلي من الحزن حتى كأنه دائم لا ينتهي (سرمد)، بل أنا ماضي العزيمة نير الرأي.
الغمة: الضيق والتغطية والحيرة. السرمد: الدائم الطويل الذي لا ينقطع. يقول: أقسم بحياتك ما تقع الهموم على رأي فتغطيه في نهاري بالحيرة، ولا يطول عليّ ليلي في حزن، بل أمري واضح وعزيمتي ماضية.
ورُبّ يوم حبست فيه نفسي وثبتُّ عند اشتداد القتال والمعركة، محاماةً عن حريم قبيلتي، وحفاظًا على حَسبي، ودفعًا لتهديد الأقران والأعداء.
العراك: القتال والدلك. الحفاظ: المحافظة على ما يجب حمايته من الذمار والحسب. يقول: ورُبّ يوم كريهة وحرب شديدة حبست فيه نفسي وثبت عند معمعان القتال وتهدد الأقران حماية لحسبي ودفاعاً عن العشيرة.
ثبتُّ في موضع وموقف من مواطن الحرب يخاف فيه الشجاع الهلاك (الردى)، وترتجف وتَرتعد فيه عضلات الصدر (الفرائص) من شدة الخوف وهول المشهد.
الموطن: موضع الحرب. الفرائص: عضلات عند الكتف ترعد عند الفزع والخوف الشديد. يقول: حبست نفسي في موضع من الحرب يخشى فيه شجعان الرجال الهلاك (الردى)، وحين ترعد فرائص الرجال من فرط الفزع وهول الموقف.
ورُبّ قدح من قداح الميسر أصفر اللون قُرِّب من النار ليشتد، انتظرت فوزه أو خيبته ونحن حول النار، وأودعته يد رجل معروف بقلة الفوز (مُجمد)، تمدحًا بالجود والسماحة بالميسر.
أصفر مضبوح: قدح الميسر المصنوع من الخشب الأصفر والمقرب من النار ليصلب. نظرت: انتظرت. المجمد: الرجل البخيل أو الذي لا يفوز في القمار. يفتخر بالميسر والجود، فيقول: رب قدح ميسر انتظرت خروج نتيجة حواره حول النار، وأودعته كف رجل لا يفوز، دلالة على كرمي وسماحتي وعدم مبالاتي بالمال.
102
ستُبْدِي لكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جاهلًا|وَيَأْتِيكَ بالأَخْبَارِ من لَمْ تُزَوَّدِ
ستكشف لك الأيام وتظهر لك الحوادث ما كنت تجهله من الأمور، وسينقل إليك الأخبار رجل لم تطلب منه ذلك ولم تعطه زادًا أو أجرًا.
يقول: ستظهر لك الأيام وتكشف الأيام الآتية ما كنت غافلاً عنه أو جاهلاً به من الأمور الحادثة، وسينقل إليك الأخبار رجل لم تعطه زاداً ولا أجراً ليتجسس لك.
وسيجلب إليك الأخبار من لم تشتري له متاعًا للسفر (بتاتًا)، ولم تحدد وتضرب له وقتًا أو موعدًا مخصوصًا ليأتيك بها، بل تظهر لك الحقائق عفوًا.
تبَع (تبتع): تشتري. البتات: زاد المسافر ومتاعه. ولم تضرب له: لم تحدد له وقتاً. يكمل المعنى المؤكد: سينقل إليك الأخبار الصادقة من لم تشتري له متاعاً للسفر ولم تضرب بينك وبينه موعداً محدداً ليأتيك بها، بل تظهر لك الحقائق تلقائياً.