معلقة طرفة بن العبد

للشاعر: طرفة بن العبد

الطويل 103 بيتاً
نمط القراءة:
1
لِخَوْلَةَ أَطْلالٌ ببُرقَةِ ثَهْمَدِ تَلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظاهر اليَدِ
يتذكر الشاعر أطلال ديار محبوبته "خولة" في موضع يُدعى (برقة ثهمد)، ويشبه بقايا آثار ديارها الواضحة ببقايا الوشم الأخضر على ظهر كف اليد.
2
وُقوفًا بها صحبي على مَطِيِّهُمْ يَقولونَ لا تَهْلِكْ أسىً وتَجَلّدِ
لقد وقف أصحابه بركابهم في هذه الديار يواسونه، ويطلبون منه ألا يهلك نفسه من الحزن والأسى، وأن يتصبر ويتجلد على فراق أحبابه.
3
كأنَّ حُدوجَ المالِكِيّةِ غُدْوَةً خَلايا سَفينٍ بالنَّوَاصِفِ من دَدِ
يشبه الشاعر الإبل التي تحمل هوادج محبوبته المالكية وقت رحيلها في الصباح الباكر، بالسفن العظيمة الكبيرة التي تسير في أودية موضع يُدعى "دد".
4
عَدَوليَّةٌ أو مِنْ سَفِينِ ابن يَامِنٍ يَجُورُ به الملاح طورًا ويهتدي
يتابع وصف تلك السفن (التي تشبه الإبل) بأنها من سفن قبيلة "عدولي" أو رجل يُدعى "ابن يامن" لعظمها، ويميل بها الملاح تارة ويهتدي تارة أخرى، مثل حُداة الإبل الذين يميلون بها لتعديل مسارها واختصار الطريق.
5
يَشُقّ حَبابَ الْمَاءِ حَيْزُومُها بها كَمَا قَسَمَ التّرْبَ الْمُفايلُ باليَدِ
يشبه الشاعر مقدمة السَّفينة (الحيزوم) وهي تشق أمواج الماء، بيد اللاعب بالتراب (المفايل) الذي يشق كومة التراب بيديه ليقسمها نصفين أثناء لعبه.
6
وَفِي الْحَيّ أحوَى ينفضُ الْمَرْدَ شادنٌ مُظاهرُ سِمْطَيْ لُؤلُؤ وزَبَرْجَدِ
يذكر الشاعر أن في الحي حبيبًا يشبه غزالًا رقيقًا في كحل عينيه وسمرة شفتيه، وهو يمد عنقه لينفض ثمر الأراك، وقد تزين هذا الحبيب بعقدين من اللؤلؤ والزبرجد.
7
خَذولٌ تُرَاعي رَبْرَبًا بِخَميلَةٍ تَناوَلُ أَطْرَافَ البَريرِ وَتَرْتَدِي
يصف تلك الظبية (المشبه بها الحبيب) بأنها تركت ولدها وذهبت مع قطيع من الظباء ترعى في أرض ذات شجر ناعم، وتمد عنقها الطويل لتتناول أطراف ثمر الأراك البالغ.
8
وَتَبْسِمُ عن أَلْمَى كأنّ مُنَوّرًا تَخَلّلَ حُرّ الرّمْلِ دِعْصٍ له نَدِ
تبسم المحبوبة عن ثغر ذي شفتين سمراوين وأسنان ناصعة البياض، كأنها زهر الأقحوان الأبيض الذي نبت في رمل خالص نديّ، مما يزيده نضارة وبريقًا.
9
سَقَتْهُ إياةُ الشّمْسِ إلَّا لِثاتِهِ أُسِفّ وَلَمْ تَكْدِمْ عَليهِ بإثْمِدِ
يصف أسنانها بأن شعاع الشمس أعارها ضياءه ولمعانه، ما عدا لثاتها التي زينتها بذر الكحل (الإثمد) ليزيد من شدة بريق الأسنان وبيضاها، وهي أسنان سليمة لم يعض بها شيء يؤثر فيها.
10
وَوَجهٍ كأنّ الشَّمس أَلْقَتْ رِداءها عَلَيْهِ نَقيّ اللّوْنِ لَمْ يَتَخَدّدِ
يصف وجه المحبوبة بأنه مشرق كأن الشمس كسته من ضيائها وجمالها، وهو وجه نقي البشرة وصافٍ، مسترسل غير متشنج ولا متجعد.
11
وإني لأمْضي الْهَمّ عندَ احْتِضَارِهِ بعَوْجاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وَتغْتَدِي
يقول الشاعر: إنه إذا حضره الهم والضيق، يدفعه وينساه بركوب ناقة قوية سريعة (مرقال)، تواصل السير بنشاط ليلًا ونهارًا.
12
أمونٍ كَألْوَاحِ الإرانِ نَضَأتُها على لاحِبٍ كأنّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
يصف ناقته بأنها مأمونة العثار، عظامها قوية عريضة كألواح التابوت العظيم، يسوقها بعصاه في طريق واضح واسع يشبه الكساء المخطط.
13
جَمالِيّةٍ وَجْنَاءَ تَرْدي كَأنَّها سَفَنّجَةٌ تَبْرِي لأزْعَرَ أَرْبَدِ
ناقتها قوية كالجمل، مكتنزة اللحم صلبة، وتعدو بسير سريع يشبه عدو نعامة (سفنجة) تعرض لظليم (ذكر النعام) قليل الريش ورمادي اللون.
14
تُبارِي عِتاقًا ناجِيَاتٍ وأَتْبَعَتْ وَظيفًا وَظيفًا فوق مَورٍ مُعَبَّدِ
هذه الناقة تسابق النوق الكرام المسرعات، وتضع رجلها في موضع يدها من سرعة السير، فوق طريق مذلل ممهد من كثرة السلوك عليه.
15
تَرَبّعَتِ القُفّينِ في الشّوْلِ تَرْتَعِي حَدائِقَ مَوليّ الأسِرّةِ أغْيَدِ
رعت هذه الناقة في أيام الربيع بأرض صلبة مرتفعة بين نوق قوية، تأكل من بساتين وادٍ خصب ناعم التربة أصابه مطر غزير، فصارت وافرة اللحم والشحم.
16
تَرِيعُ إلى صَوْتِ الْمُهيبِ وَتَتّقِي بذي خُصَلٍ رَوْعاتِ أكلَفَ مُلبدِ
هي ناقة ذكية ترجع وتنقاد لصوت راعيها، وتمنع بذنبها الكثيف الشعر فحل الإبل القوي من الاقتراب منها، لتبدو دائمًا وافرة اللحم وقوية على السير.
17
كأنّ جَناحَي مَضْرَحيٍّ تَكَنّفَا حِفافيهِ شُكَّا في العَسيبِ بِمَسْرَدِ
يشبه شعر ذنبها الكثيف على جانبي عظم الذنب بجناحي نسر أبيض عظيم غُرِزا بإشفى (مثقب) على جانبي ذنبها لسرعة حركته وبياضه.
18
فَطَوْرًا بهِ خَلْفَ الزّميلِ وَتَارَةً على حَشَفٍ كالشّنّ ذاوٍ مُجَدَّدِ
تضرب الناقة بذنبها تارة وراء الراكب الرديف من شدة نشاطها, وتارة تضرب به ضروعها المتشنجة الجافة التي انقطع لبنها فصارت كالقربة البالية.
19
لها فَخِذَانٍ أُكْمِلَ النّحْضُ فيهما كَأَنَّهما بابا مُنيفٍ مُمَرَّدِ
لهذه الناقة فخذان ممتلئتان باللحم الصلب، يشبهان في ضخامتهما وطولهما مصراعي باب قصر عالٍ ومملس.
20
وَطَيٍّ مَحالٍ كالْحَنيّ خُلُوفُهُ وأَجْرِنَةٌ لُزّتْ بدَأيٍ مُنَضَّدِ
يفسر ثنايا خلقها والتواء عظام فقراتها المتداخلة والمحكمة كالقسي، والتحام مفاصلها ببعضها في نظام مرصوص شديد القوة.
21
كَأَنَّ كِنَاسَيْ ضَالَةٍ يَكْنُفَانِهَا وَأَطْرَ قِسِيٍّ تحت صُلْبٍ مُؤبَّدِ
يُشبه الشاعر جانبي ناقته (ضلوعها) ببيتين من بيوت وحش الفلا اتُّخِذا في أصل شجر الضال لشدة اتساعهما، ويُشبه انحناء هذه الضلوع تحت ظَهرها القوي المُقوّى (المؤبد) باعوجاج القسيّ المعطوفة.
22
لها مِرْفَقَانِ أَفْتَلانِ كأنّها تَمُرُّ بِسَلْمَي دَالِجٍ مُتَشَدِّدِ
يمتدح الشاعر مرفقي ناقته بتباعدهما وانفتالهما عن جنبيها لئلا يعيقا حركتها، ويُشبه سرعة حركتهما وقوتهما بحركة السَّطلين (أو الدلوين) اللذين يحملهما ساقٍ قويّ (دالج) يسرع الخطى في نقل الماء.
23
كَقَنْطَرَةِ الرّوميّ أَقْسَمَ رَبّها لَتُكْتَنَفَنْ حتى تُشادَ بقَرْمَدِ
يشبه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها بقنطرة وثيقة البناء بناها رجل رومي، وأقسم صاحبها ليحيطنّها بالبناء الوثيق والآجر حتى ترتفع وتشتد.
24
صُهابيّةُ العُثْنُونِ مُوجَدَةُ القَرَا بعيدةُ وَخْدِ الرّجْلِ مَوّارَةُ اليَدِ
في شعرات لحيها الأسفل حمرة (صهبة)، وظهرها قوي شديد الخلق، وتمتاز باتساع خطوها وسرعة حركة يديها ورجليها في السير.
25
أُمِرَّتْ يَداها فَتْل شَزْرٍ وأُجْنِحتْ أُلها عَضُداها في سَقيفٍ مُسَنَّدِ
فتلت يداها فتلًا محكمًا أبعدهما عن صدرها فلا تصطدمان به، وأميلت عضداها تحت جنبين واسعين كأنهما سقف قصر وثيق مُسند بعضه إلى بعض.
26
جَنوحٌ دِفاقٌ عَنْدЕЛُ ثُمَّ أُفْرِعَت لها كَتِفاها في مُعالَىً مُصَعَّدِ
ناقة تميل لشدة نشاطها، مسرعة غاية الإسراع، وعظيمة الرأس، وقد ارتفعت كتفاها في بنيان عالٍ مشرف ومتصل بالظهر.
27
كَأنّ عُلوبَ النِّسْعِ في دَأَيَاتِها مَوَارِدُ من خلقاء في ظهرِ قَرْدَدِ
كأن آثار حبال الحمل (النسع) في ظهر وجنبي هذه الناقة هي نقر تجمع الماء في صخرة ملساء صلبة بأرض غليظة، دلالة على صلابة جلدها وقوة خلقها.
28
تَلاقَى وأحيانًا تبين كأنّها بَنَائِقُ غُرٌّ في قميصٍ مُقَدَّدِ
آثار هذه الحبال تلتقي تارة وتفترق تارة أخرى على جنبها، فيشبهها بقطع القماش البيضاء (اللبنات) المضافة في قميص ممزق أو مقطع بشكل متناسق.
29
وَأتلَعُ نَهّاضٌ إذا صَعّدَتْ بِهِ كَسُكَّانِ بوصيٍّ بدِجلَةَ مُصْعِدِ
عنقها طويل وسريع الارتفاع، فإذا رفعته في سيرها أشبه سُكّان سفينة (ذنب السفينة الذي توجّه به) تجري مسرعة صاعدة في نهر دجلة.
30
وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ العَلاةِ كأنَّما وَعى الْمُلتَقى منها إلى حرْفِ مِبْرَدِ
لها جمجمة صلبة تشبه السندان (العلاة) في قوتها، وتلتقي عظام رأسها عند أطراف حادة كأطراف المبرد حدة وصلابة.
31
وَخَذٌّ كقِرْطاسِ الشّآمي ومِشْفَرٌ كَسِبْتِ اليَماني قِدُّهُ لم يُحَرَّدِ
شبه خدها في ملامسته ونعومته واستوائه بالورق الأبيض الناعم (قرطاس الشامي)، ومشفرها (شفتها) بالجلد المدبوغ اللين المستوي القطع دون تفاوت.
32
وعينان كَالماوِيّتَينِ اسْتَكَنّتا بكهفَيْ حجاجَيْ صَخرَةٍ قَلتِ موْرِدِ
لها عينان صافيتان ولامعتان كالمرآتين، غائرتان في محجرين صلبين كأنهما غاران في صخرة صلبة، أو كأنهما نقرة جبل صافية الماء.
33
طَحورانِ عُوّارَ القَذَى فَتَرَاهُما كَمَكْحُولَتَيّ مذعورَةٍ أمِّ فَرْقَدِ
عيناها تدفعان الأذى والقذى بقوة لشدة صفائهما، وتلمعان كعيني بقرة وحشية أصابها الخوف ولها ولد (فرقد)، وعين الوحشية في الخوف تكون أشد اتساعًا وجمالًا.
34
وصَادِقتا سَمْعِ التّوَجّسِ للسُّرَى لِهَجْسٍ خفيٍّ أو لصَوتٍ مَنَدِّدِ
لها أذنان حادتان وصادقتان في الاستماع أثناء سير الليل، فلا تخفى عليهما حركة خفية ولا صوت بعيد مرتفع.
35
مُؤلَّلَتانِ تَعْرِفُ العِتْقَ فيهِما كَسَامِعَتَيْ شاةٍ بِحَوْمَلَ مُفْرَدِ
أذناها محددتان دقيقتان كأطراف الحربة، تظهر فيهما علامات الأصالة والنجابة، وتشبهان أذني ثور وحشي منفرد في موضع "حومل"، وهو أشد تيقظًا وحذرًا.
36
وَأَرْوَع نَبّاضٌ أحذُّ مُلَمْلَمٌ كمِرْداةِ صَخْرٍ in صَفيحٍ مصَمَّدِ
لها قلب ذكي يتنبه لأقل شيء، سريع الحركة صلب مجتمع الخلق، يشبه صخرة شديدة تكسر بها الحجارة، يقع بين أضلاع عريضة ومحكمة كالصفائح.
37
وَأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ من الأنْفِ مارِنٌ عَتيقٌ متى تَرْجُمْ به الأرضَ تَزْدَدِ
مشفرها الأعلى مشقوق (أعلم) وهو من علامات الكرم في الإبل، وأنفها لين ومثقوب، وكلما خفضت رأسها وأنفها نحو الأرض في السير زادت نشاطًا وسرعة.
38
وإنْ شئتُ لَمْ تُرْقِل وإنْ شئتُ أرْقلتْ مَخافَةَ مَلْوِيٍّ مِنَ القَدّ مُحصَدِ
هي ناقة مطيعة مروضة؛ إن أراد الشاعر منها الإسراع أسرعت، وإن أراد الهدوء هدأت، وذلك لخوفها وطاعتها لسوطه المحكم المفتول من الجلد.
39
وإنْ شئتُ سامى وَاسطَ الكورِ رَأْسُها وعَامَتْ بضَبعَيها نجاءَ الْخَفَيْدَدِ
وإن شاء جذب زمامها ليرتفع رأسها موازيًا لأعلى الرحل (واسط الكور) من فرط نشاطها، وتسرع في سيرها وتحرك عضديها كأنها تسبح، مسرعة كإسراع النعامة.
40
على مِثْلِهَا أمْضي إذا قالَ صاحبي ألا لَيْتَنِي أفديكَ منها وأفْتَدِي
على مثل هذه الناقة القوية يقطع الشاعر أسفاره الشاقة، حتى إن صاحبه في السفر يتمنى من شدة التعب والمهالك أن يفديه ويفدي نفسه ليخلصا من المشقة.
41
وجاشَتْ إلَيْهِ النفسُ خوفًا وَخاله مُصَابًا وَلَوْ أمسَى على غيرِ مَرْصَدِ
اضطربت نفس الصاحب وزال قلبه من شدة الخوف في هذه الفلوات المهلكة، وظن أنه هالك لا محالة، حتى وإن لم يكن في طريق مخوف فيه قطاع طرق.
42
إِذَا القوْمُ قالوا مَنْ فَتَىً خِلْتُ أَنَّني عُنيتُ فلَمْ أكسَلْ وَلَمْ أَتَبَلَّدِ
إذا طلب القوم فتى شجاعًا يكفي مهمًا أو يدفع شرًا، ظن الشاعر أنه المعني والمطلوب لشهرته بالشهامة، فلا يكسل ولا يتردد في نجدتهم.
43
أَحَلْتُ عَلَيْها بالقَطيعِ فَأَجْذَمتْ وَقَدْ خَبّ آلُ الأَمْعَزِ الْمُتَوَقِّدِ
يقول: أقبلت على ناقتي أضربها بالسوط (القطيع) لتسرع، فأسرعت مسرعة غاية الإسراع في وقت اشتداد الحر وظهور السراب فوق الأرض الحجرية الصلبة.
44
فَذالتْ كما ذالتْ وَليدَةُ مَجْلِسٍ تُرِي رَبّها أذيالَ سَحْلٍ مُمَدَّدِ
فتبخترت الناقة في سيرها وتمايلت كما تتبختر جارية (وليدة) ترقص في مجلس سيدها وتريه أذيال ثوبها الأبيض الطويل، فشبه تبخترها برقص الجارية وطول ذنبها بذيل الثوب.
45
وَلَسْتُ بِحَلَّالِ التِّلَاعِ مَخَافَةً وَلكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القوْمُ أرْفِدِ
أنا لا أنزل في بطون الأودية ومجاري المياه مستترًا خوفًا من الأضياف أو الأعداء، بل أنزل في المرتفعات الواضحة، ومتى طلب القوم عوني لإقراء ضيف أو قتال عدو أعنتهم.
46
فإنْ تَبْغِنِي فِي حَلقَةِ القَوْمِ تلقَنِي وَإنْ تَقْتَنصني في الْحَوانيت تصْطَدِ
إن تطلبني في مجالس الكرام ومحافل الجد تجدني سيدًا هناك، وإن تطلبني في بيوت الخمر وأماكن اللهو تصطدني وتجدني هناك؛ فهو يجمع بين الجد والهزل في وقتهما.
47
وإنْ يَلْتَقِ الْحَيُّ الْجَميعُ تُلاقِني إلى ذِرْوَةِ البَيتِ الشَّرِيفِ الْمُصَمَّدِ
وإن اجتمعت القبائل كلها للمفاخرة بالحسب والنسب، وجدتني أنتمي إلى أعلى الشرف وأرفع بيت يقصده الناس، فهو أوفاهم حظًا في الحسب والنسب.
48
ندامايَ بيضٌ كالنّجومِ وَقَيْنَةٌ تَرُوحُ علينا بين بُرْدٍ وَمُجْسَدِ
أصحابي في مجالس الشراب كرام أحرار تشرق وجوههم كالنجم، وتأتينا مغنية (قينة) في وقت الرواح لابسة ثيابًا فاخرة من البرود أو الثياب المصبوغة بالزعفران.
49
رَحيبٌ قِطابُ الْجَيبِ منْها رَفِيقَةٌ بِجَسّ النّدامَى بَضّةُ الْمُتَجَرّدِ
هذه المغنية واسعة جيب الثمياب، لينة ورفيقة عند لمس الندامى لها، وما ظهر من جسدها ناعم اللحم، رقيق الجلد، وصافي اللون.
50
إذا نحنُ قُلْنَا أَسْمعينا انْبَرت لَنا على رِسْلِها مَطُْروقَةً لَمْ تَشَدَّدِ
إذا طلبنا منها الغناء أقبلت علينا تغني بتؤدة ووقار ونغمة رقيقة فاترة لا تكلف فيها ولا تشديد، لتبعث الراحة في نفوس الحاضرين.
51
إذا رَجّعَتْ فِي صَوْتِهَا خِلْتَ صَوْتَها تَجاوُبَ أظْآرٍ على رُبَعٍ رَدِ
إذا رددت وطربت في صوتها، حسبت نغمتها الحزينة كأصوات نوق تعطف وتصيح معًا على فصيل (ولد ناقة) هلك ومات، لفرط رقة وعذوبة صوتها.
52
ومَا زَالَ تَشْرَابِي الْخُمورَ وَلَذّتِي وَبَيْعِي وإنْفاقي طَريفي ومُتْلَدي
لم أزل مستمرًا في شرب الخمور وطلب اللذات وإنفاق أموالي الحديثة والموروثة القديمة في كسب المحامد، حتى لزمتُ هذه الأشياء لزوم غيري لإصلاح ماله.
53
إلى أنّ تحامَتْني العشيرة كُلّها وَأُفْرِدْتُ إِفْرادَ البَعيرِ الْمُعَبَّدِ
استمررت على ذلك الإنفاق والإتلاف للمال حتى تجنبتني عشيرتي وابتعدت عني، وأفردتني وحيدًا كما يُفرد البعير الأجرب المطلي بالقطران (المعبد) ويتجنبه باقي القطيع.
54
رَأَيْتُ بَني غَبَراءَ لا يُنْكِرُونَني وَلا أهْلُ هذاكَ الطِّرَافِ الْمُمَدَّدِ
لما أفردتني عشيرتي وجدت أن الفقراء المحتاجين (بني غبراء) لا ينكرون فضلي وإحساني، وكذلك الأغنياء أصحاب الخيام الكبيرة الواسعة لا ينكرون صحبتي ومروءتي.
55
ألا أيّهَذَا اللّائمي أَحْضُرَ الوَغَى وأن أشهد اللذاتِ هل أنتَ مخلدي؟
يوجه الشاعر عتابه للائم الذي يلومه على اقتحام الحروب والمعارك (الوغى) وإنفاق المال في اللذات، ويسأله مستنكرًا: هل كفي عن هذا سيضمن لي الخلود والبقاء؟
56
فإنْ كنتَ لا تَسْطيعُ دَفْعَ مَنيّتي فَدَعني أبادِرْها بما مَلَكَتْ يدي
ما دمت أيها اللائم لا تستطيع أن تدفع عني الموت (المنية) إذا جاء، فاتركني أستمتع بحياتي وأبادر الموت بإنفاق ما تملكه يدي من أموال في وجوه الكرم.
57
وَلَوْلَا ثَلَاثٌ هُنّ من عيشَة الفَتى وَجَدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوّدي
يقسم الشاعر بأنه لولا حبه لثلاث خصال هي أساس لذة وعيش الفتى الكريم، لما بالى متى يأتيه الموت وتقوم الوافدات من حوله يائسات من حياته.
58
فَمِمَّنْ سَبْقِي العَاذِلاتِ بشَرْبةٍ كُميتٍ متى ما تُعلَ بالماءِ تُزْبدِ
أولى هذه الخصال هي مبادرته لشراب الخمر الحمراء المائلة للسواد (كميت) في الصباح الباكر قبل أن تنتبه العواذل لتلومه، وهي خمر جيدة ترغي وتزبد إذا صُب عليها الماء.
59
... وَكَرّي إذا نادى الْمُضافُ مُحَنَّبًا كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَهُ الْمُتَوَرِّدِ
والخصلة الثانية هي إغاثته للمستغيث الخائف وعطفه عليه بركوب فرس سريع ملتوي القوائم (محنّب)، يسرع لنجدة الملهوف كإسراع ذئب الغضا الخبيث إذا نُبِّه وهو قاصد الماء.
60
وتقصيرُ يومِ الدَّجنِ والدَّجنُ مُعجِبٌ ببَهْكَنَةٍ تَحْتَ الطِّرَافِ الْمُعَمَّدِ
والخصلة الثالثة هي الاستمتاع بيوم الغيم الشاعري الجميل (الدجن) برفقة امرأة ناعمة سمينة ممتلئة الخلق (بهكنة) في خيمة عظيمة مرفوعة بالأعمدة، لتقصير الوقت باللهو.
61
كأنّ البُرِينَ والدّماليجَ عُلّقَت عَلَى عُشَرٍ أَو خِرْوَعٍ لَمْ يُخَضَّدِ
يشبه ساقي هذه المرأة وساعديها لشبههما بخصال النعمة والامتلاء، بغصن شجر "العُشر" أو "الخروع" الناعم الطري الذي لم تقطع أغصانه، وكأن خلاخيلها وأساورها معلقة عليه.
62
كَرِيمٌ يُرَوِّي نَفْسَهُ في حَيَاتِهِ سَتَعْلَمُ إن مُتْنَا غَدًا أَيّنا الصّدي
يؤكد الشاعر أنه فتى كريم يروي نفسه بلذات الحياة بالخمر والكرم، ويقول لعاذله: ستعلم غدًا إذا متنا جميعًا من منا العطشان (الصدي) المحروم من لذة الدنيا.
63
أَرَى قَبْرَ نَحّامِ بَخيلٍ بِمَالِهِ كَقَبْرِ غَوِيٍّ في البطالَةِ مُفْسِدِ
يرى الشاعر في نهاية المطاف أن قبر البخيل الحريص على جمع المال، يتساوى تمامًا في النهاية مع قبر المفسد الذي أتلف ماله في البطالة واللذات؛ فالموت يجمع الجميع ولا ينفع البخل صاحبه.
64
تَرَى جُثَوَتَينِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهما صَفائحُ صُمٌّ من صَفِيحٍ مُنَضَّدِ
يرى الشاعر في النهاية أن قبري البخيل والسمح الجواد يصبحان متساويين؛ كلاهما كومتان من التراب تعلوهما حجارة صلبة عريضة مرصوصة.
65
أَرَىَ الْمَوْتَ يعتامُ الكرَامَ ويَصْطَفِي عَقيلَةَ مالِ الفاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ
أرى الموت يختار الأحرار الكرام بالإفناء، ويصطفى كرائم أموال البخيل المتشدد، فالموت يعم الجميع ولا تخلص منه، ولذا فإن الجود أفضل من البخل.
66
أرَى العيش كنزًا ناقصًا كلَّ ليلةٍ ومَا تَنْقُصِ الأيّامُ وَالدّهرُ يَنْفَدِ
يشبه الشاعر الحياة والبقاء بكنز يقل وينقص في كل ليلة، وما دامت الأيام تنقصه باستمرار فإن مآله الحتمي إلى النفاد والفناء.
67
لَعَمرُك إنّ الْمَوتَ ما أخطأ الفتى لكالطِّوَلِ الْمُرْخَى وَثِنْياهُ باليَدِ
يقسم الشاعر بأن مهلة الموت للفتى تشبه حبلاً طويلاً رُبطت به دابة ترعى بحرية، لكن طرفي الحبل بيد صاحبها؛ فمهما طال العمر فإن الموت سيقوده حتمًا في النهاية.
68
فَما لي أرَاني وابنَ عمي مالِكًا مَتى أدْنُ مِنْهُ يَنأَ عني ويَبْعُدِ
يتعجب الشاعر مستغربًا من موقف ابن عمه "مالك"، فكلما حاول الشاعر التقرب والتودد إليه، جفاه وابتعد عنه وأمعن في هجرانه.
69
يَلُومُ وما أدري عَلامَ يَلُومُني كما لامني في الحي قُرْطُ بن مَعبدِ
يقول إن ابن عمه يستمر في لومه دون سبب واضح أو جناية تستحق، تمامًا كما ظلمه سابقًا رجل في القبيلة يُدعى "قرط بن معبد" بلموه بغير حق.
70
وأَيأسَني مِنْ كلّ خَيرٍ طَلَبْتُهُ كأَنّا وَضَعناهُ إلى رَمْسِ مُلْحَدِ
لقد قطع ابن عمه رجاءه من كل خير يطلبه منه، وآيسه تمامًا حتى صار هذا الطلب كأنه ميت وُضع في قبر مغلق داخل لحمده لا يُرجى منه شيء.
71
على غَيرِ شَيءٍ قُلتُهُ غَيرَ أَنّنِي نشَدْتُ فَلَمْ أُغْفِل حَمولَةَ مَعبَدِ
إن هذا اللوم والجفاء كان بلا ذنب اقترفته، سوى أنني طلبت إبل أخي "معبد" المفقودة ولم أتركها، فنقم ابن عمي ذلك مني وجعل يلومني عليه.
72
وَقَرّبْتُ بِالقُرْبَى وَجَدِّكَ إنَّنِي مَتَى يَكُ أَمْرٌ للنكيثَةِ أَشْهَدِ
رغم جفائه فقد تمسكت برابطة القرابة بيننا، وأقسمُ بحظك أنني متى واجه أمرًا عصيبًا يبلغ أقصى طاقته ويحتاج بذل المجهود سأحضره وأنصره فيه.
73
وَإِنْ أُدْعَ للجُلّى أَكُنْ مِنْ حُماتها وإنْ يأتكَ الأعداءُ بالْجَهدِ أجهَدِ
إذا دُعيت لحماية القبيلة في الأمور العظيمة والخطوب الجسيمة سأكون أول حُماتها، وإذا هاجمك الأعداء سأبذل كل طاقتي في قتالهم ودفعهم عنك.
74
وإن يقذِفوا بالقذعِ عِرْضَكَ أسقهمْ بكأسِ حياضِ الْمَوتِ قبلَ التهدّدِ
وإن إساء الأعداء إلى حسبك وشتموا عرضك بكلام فاحش، سأسقيهم من كأس الموت وأهلكهم على الفور قبل أن أضيع الوقت في تهديدهم.
75
بِلا حَدَثٍ أَحْدَثْتُهُ وَكَمُحدَثٍ هجائي وقَذفي بالشّكاةِ ومُطْرَدي
لقد جُفيت وأُوذيت وطُردت من غير إساءة فعلتها، وصرت أُعامَل بالعقوبة والشكوى كأنني ارتكبت جريرة وجناية تستوجب الطرد والهجاء.
76
فَلَو كَانَ مولايَ امْرَأً هُوَ غيرُهُ لَفَرّجَ كَرْبي أو لأَنْظَرَني غدي
لو كان ابن عمي رجلاً غير "مالك" لفرّج عني كربتي وغَمّي، أو على الأقل لأمهلني وأنظرني بعض الوقت ولم يعجل بظلمي وجفائي.
77
وَلَكِنّ مَوْلايَ امْرؤٌ هوَ خانقي عَلَى الشّكْرِ والتَّسْآلِ أو أنا مفتَدِ
لكن ابن عمي يضيق عليّ الخناق في كل حال، سواء شكرت إحسانه، أو سألته بره وعفوه، أو حاولت افتداء نفسي وتخليصها منه.
78
وَظُلمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدّ مَضَاضَةً على الْمَرْءِ مِنْ وَقعِ الْحُسامِ المهنّدِ
إن الظلم الصادر من الأقارب أشد إيلامًا ووقوعًا في النفس وتهييجًا للحزن، من ضربة السيف القاطع الحاد المصنوع في الهند.
79
فَذَرْني وخُلْقي، إنّني لكَ شاكرٌ وَلَو حلّ بيْتي نائبًا عند ضَرْغَدِ
يقول لابن عمه: اتركني وشأني وكلني إلى سجيتي، فإني سأظل شاكرًا لك ومحافظًا على العهد حتى لو ابتعدت داري عنك وصرت عند جبل "ضرغد" البعيد.
80
فلوْ شَاءَ رَبِّي كنتُ قيسَ بن خالِدٍ ولوْ شَاءَ رَبِّي كنتُ عمرو بن مَرْثَدِ
لو شاء الله لبلغت منزلة "قيس بن خالد" أو "عمرو بن مرثد"، وهما من سادات العرب المشهورين بوفرة المال، وشرف النسب، وعظم الحسب.
81
فأصْبَحتُ ذا مالٍ كثيرِ وزَارَني بَنُونَ كِرامٌ سَادَةٌ لِمُسَوَّدِ
ولو بلغت منزلتهما لكنت صاحب أموال طائلة، ورزقني الله بأبناء كرام سادة يزورونني ويعظمونني كوني سيدًا رئيسًا.
82
أنا الرّجُلُ الضّرْبُ الذي تَعرِفُونَهُ خَشَاشٌ كرَأسِ الْحيّةِ الْمُتَوَقّدِ
يمتدح الشاعر نفسه بأنه خفيف اللحم (والعرب تمدح بذلك دلالة على النشاط)، وأنه ذكي متيقظ سريع الحركة في الأمور مثل توقد وذكاء رأس الحية.
83
فآلَيْتُ لا يَنفَكّ كَشحي بطانَةً لِعَضْبٍ رَقيقِ الشّفرَتَينِ مُهَنّدِ
لقد أقسمتُ وحلفتُ ألا يفارق خصر جَنْبي سيف قاطع رقيق الحدين مطبوع بالهند، يلازمني دائمًا كالثوب اللصيق بالجسد.
84
حُسامٍ إذا ما قُمتُ منتصرًا به كفى العَوْدَ منهُ البدءُ ليسَ بِمِعضَدِ
هو سيف قاطع حاد، إذا قمت منتقمًا به من الأعداء كفتني الضربة الأولى منه عن الثانية (يغني البدء عن العود)، وليس سيفًا رديئًا لقطع الشجر.
85
أخي ثِقَةٍ لا يَنْثَني عن ضرِيبةٍ إذا قيلَ مهلًا قال حاجزُه قَدي
هذا السيف موثوق بمضائه، لا يرتد ولا ينبو عن شيء يُضرب به، وإذا قيل لصاحبه كُف عن القتل، قال السيف أو صاحبه: حسبي (قدي) فقد نلت مرادي وأهلكت عدوي.
86
إذَا ابْتَدَرَ القوْمُ السّلاحَ وجدْتَني مَنيعًا إذا بَلّتْ بقائِمِهِ يَدي
إذا تسابق القوم عند الفزع لاستلال أسلحتهم، وجدتني بطلاً منيعًا لا أُقهر ولا أُغلب ما دامت يدي قد ظفرت بقبضة وقائم هذا السيف المحكم.
87
وَبَرْكٍ هُجُود قَدْ أثارَتْ مَخافَتي بَوادِيهَا، أمشي بعَضْبٍ مُجَرّدِ
ورُبّ إبل كثيرة باركة مطمئنة، أفزعتها مخافتي وأثارت أوائلها حين رأوني أمشي نحوها ممسكًا بسيفي المسلول لأعقر منها لندمائي وأضيافي.
88
فَمَمَّت كَهاةٌ ذاتُ حَيْف جُلالَةٌ عَقيلَةُ شَيخٍ كالوَبيلِ يلَنْدَدِ
فمرت بي ناقة ضخمة سمينة عظيمة الضرع، وهي كريمة مال شيخ كبير يبس جسمه وصار كالعصا (الوبيل) وهو شديد الخصومة (يريد والده)، فعقرتها لندمائي.
89
يَقولُ وَقَدْ تَرّ الوَظيفُ وسَاقُها أَلَستَ تَرى أن قد أَتَيتَ بِمُؤيِدِ
قال هذا الشيخ حين ضربتُ الناقة الكريمة وسقط ساقها ووظيفها بضربة سيفي: ألم ترَ أنك جئت بداهية ومصيبة عظيمة (مؤيد) بعقرك لهذه الناقة الثمينة؟
90
وَقَالَ: أَلَا مَاذَا تَرَوْنَ بِشَارِبٍ شَديدٍ علينا بغْيُهُ مُتَعَمِّدِ
وقال الشيخ مستشيرًا الحاضرين: ما الرأي في شارب خمر اشتد ظلمه وبغيه علينا، ويتعمد عقر ونحر نفائس أموالنا لشرابه ولهوه؟
91
وَقَالَ: ذَرُوهُ إنَّما نَفْعَهَا لَهُ وَإلّا تكُفّوا قاصيَ البْرَكِ يَزْدَدِ
ثم استقر رأي الشيخ فقال: دعوه فإنما نفع هذا المال سيعود إليه لأنه وارثي، ولكن امنعوا وردوا باقي الإبل الشاردة حتى لا يستمر في عقرها كلها.
92
فَظَلّ الإماءُ يَمْتَلِلْنَ حُوَارَهَا ويُسْعَى علَينا بالسَّديفِ الْمُسرْهَدِ
فقامت الجواري بشواء جنينها (الحوار) تحت الجمر والرماد الحار، وطاف الخدم علينا بقطع سنامها (السديف) السمين المربى، فأكلنا أطايبها وتركنا الباقي للخدم.
93
فَإِن مُتُّ فَاِنعيني بِما أَنا أَهلُهُ وَشُقّي عَلَيَّ الجَيبَ يا اِبنَةَ مَعبَدِ
يوصي الشاعر ابنة أخيه "معبد" قائلاً: إذا مت فاندبيني واذكري من محاسني وصفاتي الكريمة ما أستحقه، واشقي عليّ جيب ثوبك حزنًا وبكاءً.
94
وَلا تجعَليني كامْرِئٍ ليْسَ هَمّهُ كَهَمّي ولا يُغني غَنائي ومَشهدي
ولا تسوّي في ثنائك وبكائك بيني وبين رجل خامل ليس له همة عالية كهمتي، ولا يكفي الملمات ككفايتي، ولا يحضر وقائع الحرب والمحافل كمشهدي.
95
بَطِيءٍ عَنِ الْجُلّي سَريعٍ إلى الخنا ذَلولٍ بِأَجْمَاعِ الرّجالِ مُلَهَّدِ
(تابع لصفة الرجل الخامل): لا تجعليني كرجل يتأخر عن الأمور العظيمة ويسرع إلى الفحش والمنكر، وهو رجل ذليل يدقعه الرجال ويهينونه بأكفهم.
96
فَلَوْ كُنْتُ وَغْلًا في الرّجَال لَضَرّني عداوَةُ ذي الأصحابِ والْمُتَوَحِّدِ
لو كنت رجلًا ضعيفًا أو لئيمًا (وغلاً) لآذتني وضرّتني معاداة الناس لي، سواء من كان له أتباع وأنصار أو من كان وحيدًا منفردًا، لكنني قوي لا تضرني عداوتهم.
97
وَلكِنْ نَفَى عَنِّي الرجال جَرَاءَتِي عليْهِمْ وإقْدَامي وصِدقي ومَحْتدي
ولكن شجاعتي وجرأتي وإقدامي في الحروب، وصدق عزيمتي، وكرم أصلي ومحتدي، كلها أمور حمتني وجعلت الرجال يهابون معاداتي أو النيل مني.
98
لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عليّ بِغُمَّةٍ نَهَارِي ولا لَيلِي عَليّ بسرْمَدِ
أقسم بحياتك أن أمري وشأني ليس مغطى بالهموم (غمة) في نهاري، ولا يطول عليّ ليلي من الحزن حتى كأنه دائم لا ينتهي (سرمد)، بل أنا ماضي العزيمة نير الرأي.
99
وَيَوْمَ حَبَسْتُ النَّفْسَ عندَ عرَاكهِ حفَاظًا عَلى عوْرَاتِهِ والتّهَدّدِ
ورُبّ يوم حبست فيه نفسي وثبتُّ عند اشتداد القتال والمعركة، محاماةً عن حريم قبيلتي، وحفاظًا على حَسبي، ودفعًا لتهديد الأقران والأعداء.
100
عَلَى مَوْطنٍ يخشَى الفَتَى عندَهُ الرّدَى متى تعْترِكُ فيهِ الفرَائصُ تُرْعَدِ
ثبتُّ في موضع وموقف من مواطن الحرب يخاف فيه الشجاع الهلاك (الردى)، وترتجف وتَرتعد فيه عضلات الصدر (الفرائص) من شدة الخوف وهول المشهد.
101
وَأَصْفَرَ مَضْبوحٍ نظَرْتُ حِوَارَه على النَّار واستَودعتُه كفّ مُجْمِدِ
ورُبّ قدح من قداح الميسر أصفر اللون قُرِّب من النار ليشتد، انتظرت فوزه أو خيبته ونحن حول النار، وأودعته يد رجل معروف بقلة الفوز (مُجمد)، تمدحًا بالجود والسماحة بالميسر.
102
ستُبْدِي لكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جاهلًا وَيَأْتِيكَ بالأَخْبَارِ من لَمْ تُزَوَّدِ
ستكشف لك الأيام وتظهر لك الحوادث ما كنت تجهله من الأمور، وسينقل إليك الأخبار رجل لم تطلب منه ذلك ولم تعطه زادًا أو أجرًا.
103
وَيَأْتِيكَ بالأَخْبَارِ من لَمْ تَبعْ لَهُ بَتاتًا وَلَمْ تضرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِدِ
وسيجلب إليك الأخبار من لم تشتري له متاعًا للسفر (بتاتًا)، ولم تحدد وتضرب له وقتًا أو موعدًا مخصوصًا ليأتيك بها، بل تظهر لك الحقائق عفوًا.