حياته

نسبه ومكانه في الشعراء

هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة، وينتهي نسبه إلى بكر بن وائل. و”طَرَفَة” في الأصل هو واحدة “الطرفاء” وهو شجر الأثل وبها لُقّب، أما اسمه الحقيقي فهو عمرو. يُعد طرفة أشعر الشعراء بعد امرئ القيس، ومرتبته هي الثانية؛ ولذلك ثُنّي بمعلقته، وقيل عنه إنه أجود الشعراء قصيدة. وقدّمه بعضهم لأنه بلغ بحداثة سنّه ما لم يبلغه غيره في طول أعمارهم؛ إذ قُتل وهو ابن ست وعشرين سنة. مات سنة 70 قبل الهجرة و550 أو 552 للميلاد.

ذكاؤه وشيء من خبره

كان طرفة منذ صغره ذكيًا حديد الذهن؛ ومما يُروى عن ذكائه المبكر أنه حضر في صغره مجلس ملك الحيرة عمرو بن هند، فأنشد الشاعر المسيب بن علس قصيدة وصف فيها جملًا بصفة “الصيعرية”، فصاح طرفة: “استنوق الجمل”، لأن الصيعرية سمة تُطلق على النوق لا الفحول، فغضب المسيب وتفرّس فيه قائلًا: “ليقتلنه لسانه”، فكان كما قال. ومات أبو طرفة وهو صغير، فأبى أعمامه أن يقسموا ماله فظلموه، فقال في ذلك شعرًا يشكو ظلم الأقارب. ويُروى أن أول شعر قاله كان في سفر مع عمه حين أنشد لـ “قُبَّرَة”. كما تمثّل النبي ﷺ ببعض كلامه مقلوبًا أو نحو ذلك مثل: “بعيدًا غدًا ما أقرب اليوم من غد”.

خبر مقتله

كان سبب مقتل طرفة هجاؤه لملك الحيرة عمرو بن هند ولأخيه قابوس بقصيدة عرّض فيها بهما. ولم تبلغ القصيدة الملك لشدة بأسه وسطوته حتى كان ذات يوم في الصيد ومعه رجل من أقارب طرفة يُدعى عبد عمرو بن مرثد، فلاحظ الملك حسن جسم عبد عمرو وتذكر بيتًا لطرفة هجاه فيه سابقًا، فغضب عبد عمرو وأخبر الملك أن طرفة قال فيه ما هو أقبح من ذلك، وأسمعه قصيدة الهجاء بعد أن أمنه الملك على نفسه. كتم عمرو بن هند غيظه حتى طالت المدة، ثم كتب لطرفة وللشاعر المتلمس (وكان قد هجا الملك أيضًا) كتابين إلى عامله بالبحرين وهجر (ربيعة بن الحارث أو المعكبر)، وأوهمهما أنها جوائز صلات.

وفي طريق الخروج التقى المتلمس بشيخ نبهه إلى الحذر، ففتح المتلمس كتابه عبر غلام يقرأ فإذا فيه أمر بقطع يديه ورجليه ودفنه حيًا، فألقى المتلمس صحيفته في النهر وهرب إلى الشام. حاول المتلمس رد طرفة وأخبره بمحتوى الكتاب، لكن طرفة أبى وقال: “إن كان قد اجترأ عليك فما كان ليجترئ علي”. انطلق طرفة إلى عامل البحرين ودفع إليه الكتاب، فلما قرأه العامل علم أن فيه أمرًا بقتله، ولأنه كان يراعي خئولة بينهما، نصح طرفة بالهرب ليلاً، لكن طرفة رفض كبرياءً ظنًا منه أن العامل يستخسر فيه الجائزة.

أمر العامل بحبس طرفة، وكتب إلى عمرو بن هند يطلب منه إرسال رجل آخر لتنفيذ القتل لأنه يتكرم عن قتل الرجل. فبعث الملك رجلًا شجاعًا من بني تغلب يُدعى “عبد هند” واستعمله على البحرين، فقدم عبد هند وحبس طرفة ثم قتله رجل من عبد القيس يُدعى “أبو ريشة”، وقبره معروف بأرض هجر. ولما كان في حبسه بعث إليه العبدي بجارية اسمها خولة فلم يقبلها، وقال في حبسه بيته المشهور يخاطب الملك: “أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا… حنانيك بعض الشر أهون من بعض”.